غير هذا. فقام آخر فقال: حدثكم ابن شهاب (١٦)، بلا استفهام، فقال مالك: أحسنت، مثل هذا فليعرض.
ودخل بقية بن الوليد (١٧) على مالك، فقال الناس: اليوم ننتفع بأبي محمد، يسأل مالكا مسائل نكتبها عنه، فسأله عن ست مسائل، فأجابه فيها كلها، وسأله بعد ذلك عن مسألة، فقال له مالك: أكثرت، خذوا بيد الشيخ، فجاء نفسان، فأخذا بضبعه فأخرجاه.
قال ابن المنذر: كان لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة، ولم يكن يوسع لاحد ولا يرفعه، يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.
***
حكى الزبير عن عمه مصعب وغير واحد: أن هارون لما حج أتى مالكا فاستأذن عليه، فحجبه (١٨)، ثم أذن له، وفى رواية بعضهم: ثم خرج إليه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله! ما حملك على أن أبطأت وقد علمت مكانى؟ وفى رواية: حبستنا ببابك. قال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت، وعلمت أنك لا تأتى إلا لحديث رسول الله ﷺ فأحببت أن أتأهب له. فقال: قد علمت أن الله ما رفعك باطلا، وأخذ بيده ومضى إلى قبر النبي ﷺ فقال: أخبرني عن مكان أبي بكر وعمر من النبي ﷺ؟ فقال: كان محلهما منه في حياته كمحلهما منه بعد وفاته.
***
قال هاشم بن عيسى: لما قدم هارون المدينة دعا مالكا، فقال له مالك: منكم خرج هذا العلم، وأنتم أولى الناس بإعظامه، ومن إعظامكم له ألا تدعوا حملته إلى أبوابكم. قال قد فعلت يا أبا عبد الله.
(١٦) ك: حدثكم ابن شهاب - ا: حدثني ابن شهاب. (١٧) انظر صفحة ٧٦ من الجزء الأول من هذا الكتاب. (١٨) ا: فاستأذن عليه فحجبه - ك: فاستأذن عليه حاجبه.