وأما الحكمة الأخرى، فذكرها أيضا في غير موضع، منها قوله تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}[سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[سورة النساء آية: ١٦٥] . فقوله:{مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}[سورة البقرة آية: ٢١٣] . وقوله:{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[سورة النساء آية: ١٦٥] ، هما حكمة الله في إيجاد الخليقة، وإليهما ترجع كل حقيقة. فالواجب على من نصح نفسه أن يجعل معرفة هذا نصب عينيه.
ومن تفاصيل هذه الجملة: أن الناس اختلفوا في التوحيد، فجاءت الكتب والرسل، ففصلوا الخصومة بقوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[سورة النحل آية: ٣٦] . وقوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}[سورة الجن آية: ١٨] . فشملت أصل الأمر، وأصل النهي، الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
الثانية: أن الذين أقروا بالتوحيد، والبراءة من الشرك، اختلفوا: هل توجب هذه العداوة والمقاطعة؟ أو أنها كالسرقة والزنى؟ فحكم الكتاب بينهم بقوله:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال صلى الله عليه وسلم:" إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن وليي الله والمؤمنون " ١.