للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾، وقوله: ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾؛ ليفهمهم أنَّه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه.

فقال ﴿فِرْعَوْنُ﴾ معارضًا له في ذلك، ومُغَرِّرًا لقومه أن يتَّبعوا موسى: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وصدق في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، ولكن ما الذي رأى؟! رأى أن يستخفَّ قومه فيتابعوه؛ ليُقيم بهم رياسته، ولم يَرَ الحقَّ معه، بل رأى الحقَّ مع موسى، وجحد به مستيقنًا له، وكذب في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فإنَّ هذا قلبٌ للحقِّ؛ فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله لكان الشرُّ أهون، ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أنَّ في اتباعه اتباع الحق، وفي اتباع الحق اتباع الضلال.

﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مكرِّرًا دعوة قومه، غير آيس من هدايتهم؛ كما هي حالة الدُّعاة إلى الله تعالى؛ لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردُّهم عن ذلك رادٌّ، ولا يثنيهم عُتُوُّ من دَعَوْه عن تكرار الدعوة، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، يعني: الأمم المكذِّبين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بيَّنهم، فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب، وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، فيعذِّبُهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.

ولما خوَّفهم العقوبات الدنيوية خوَّفهم العقوبات الأخروية، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ إلى آخر الآيات، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾،

<<  <   >  >>