للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود.

قال ابن هبيرة، وهو وزير المقتفي: لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود وأساءوا الأدب ولم يكن المجاهرة بالمحاربة؛ اتفق الرأي على الدعاء عليه شهرا كما دعا النبي على رعل وذكوان شهرا، فابتدأ هو والخليفة سرا كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى، واستمر الأمر كل ليلة، فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره، ولم يزد على الشهر يوما ولا نقص يوما.

واتفق العسكر على سلطنة ملكشاه، وقام بأمره خاصبك، ثم إن خاصبك قبض على ملكشاه، وطلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه، فسلم إليه السلطنة وأمر الخليفة حينئذ ونهى، ونفذت كلمته، وعزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية، وبلغه أن في نواحي واسط تخبطا فسار بعسكره ومهد البلاد ودخل الحلة والكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا، وزينت بغداد.

وفي سنة ثمان وأربعين خرجت الغز على السطان سنجر وأسروه وأذاقوه الذل وملكوا بلاده وأبقوا الخطبة باسمه، وبقي معهم صورة بلا معنى، وصار يبكي على نفسه، وله اسم السلطنة، وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته.

وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي، وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا ووهى أمر المصريين، فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمد بن زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد، وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام، وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته، فبعث إليه المقتفي تقليدا وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه: بالملك العادل، وعظم سلطان المقتفي، واشتدت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلو أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة.

قال الذهبي: كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالما، أديبا، شجاعا، حليما، دمث الأخلاق، كامل السؤدد، خليقا للإمامة، قليل المثل في الأئمة، لا يجري في دولته أمر -وإن صغر- إلا بتوقيعه، كتب في خلافته ثلاث ربعات، وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني.

قال ابن السمعاني: وسمع جزء بن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان، روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه، والوزير ابن هبيرة وزيره وغيرهما، وقد جدد المقتفي بابا للكعبة، واتخذ من العقيق تابتوا لدفنه، وكان محمود السيرة، مشكور الدولة، يرجع إلى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة، جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غيره مرة، وامتدت أيامه.

وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب

<<  <   >  >>