خير البرية، أتقاها وأعدلها … إلا النبي، وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا
وأخرج أبو نعيم (١) في الحلية عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران، قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، لله درهما! كانا رأس الإسلام. قلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم علي؟ قال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيهما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي.
وقد قال: إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين غيرهم، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه. وقيل: أول من أسلم علي، وقيل: خديجة. وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعلي أول من أسلم من الصبيان، وخديجة أول من أسلمت من النساء، وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة ﵀ أخرجه عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢) وابن عساكر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما؟ قال: لا، قلت: فبم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما من حين أسلم حتى لحق بربه.
وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاما؟ قال: لا، ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكن كان خيرنا إسلاما.
قال ابن كثير (٣): والظاهر أن أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كل أحد: زوجته خديجة، ومولاه زيد، وزوجة زيد أم أيمن، وعلي، وورقة، انتهى.
وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد، قال: قال أبو بكر الصديق، كنت جالسا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمر به أمية بن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
كل دين يوم القيامة إلا … ما قضى الله في الحقيقة بور
أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت من قبل ذلك بني ينتظر ويبعث، قال: فخرجت إلى ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصدر، فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا -ولي علم بالنسب- وقومك
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية "٩٣، ٩٢/ ٤".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه "٨/ ٤٧٢/٧".
(٣) أورده ابن كثير في البداية والنهاية "٢٩، ٢٥/ ٣".