للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظلم، محسنا إلى العلويين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، ورد على آل الحسين فدك، فقال يزيد المهلبي في ذلك:

ولقد بررت الطالبية بعدما … ذموا زمانا بعدها وزمانا

ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم إخوانا

بويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريما حليما.

ومن كلامه: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.

ولما ولي صار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه، وهموا به، فعجزوا عنه، لأنه كان مهيبا، شجاعا، فطنا، متحرزا، فتحيلوا إلي أن دسوا إليه طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات ويقال: إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض، فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة، فمات أيضا، وقيل: بل سم في كمثراة، وقيل: مات بالخوانيق، ولما احتضر قال: يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت.

مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، عن ست وعشرين سنة أو دونها، فلم يتمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون ستة أشهر، وقيل: إنه جلس في بعض الأيام للهو، وقد استخرج من خزائن أبيه فرشا، فأمر بفرشها في المجلس، فرأى بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظره فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها، فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي لم أمتمع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر، وأمر بإحراق البساط وكان منسوجا بالذهب.

وفي لطائف المعارف للثعالي: أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر، فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتز والمعتمد.

قلت: أعرق منه المعتصم الذي قتله التتار، فإن أباءه الثمانية خلفاء.

قال الثعالبي: ومن العجائب أن أعرف الأكاسرة في الملك -وهو شيرويه- قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة -وهو المنتصر- قتل أباه فلم يتمتع بعده سوى ستة أشهر

<<  <   >  >>