وجامع شمل الدين بعد تشتت … وفاري رءوس المارقين بمنصل
أطال بنا رب العباد بقاءه … سليما من الأهوال غير مبدل
وبوأه النصر للدين جنة … يجاور في روضاتها خير مرسل
وفي هذه السنة أصاب ابن أبي دؤاد فالج صيره حجرا ملقى، فلا آجره الله.
ومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم، ولم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يوما واتصلت بهمذان، وأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خلقا عظيما.
وفي السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفا.
وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل.
وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخرب، وبقى صحراء، وكان المتوكل معروفا بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:
بالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما
وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر: أبي بكر محمد بن أبي الليث، وأن يضربه، ويطوف به على حمار ففعل -ونعم ما فعل- فإنه كان ظالما من رءوس الجهمية، وولي القضاء بدله الحارث بن مسكين من أصحاب مالك، وبعد تمنع، وأهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطا ليرد المظالم إلى أهلها.
وفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر، ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل، ثم كفت.
وفي سنة ثمان وثلاثين كبست الروم دمياط، ونهبوا وأحرقوا، وسبوا منها ستمائة أمة، وولو مسرعين في البحر.
وفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء، فمات منها خلق كثير، ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج، وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب.
وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرا مزعجا لم يعهد.