وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان، فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها، فقلت: بل يردك الله سالما، ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد، فقلت: لا والله، فقال: تعال حتى أريك، وانحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص فتنحوا، ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي، وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، ونسيت الثالث، ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي، ويعد أيامي، ويستطيل دهري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون، فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي، ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف، فنظر إلي ثم ركبه، وودعني وسار إلى جرجان، ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن مات.
وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين، ولقبه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، لحرص أمه زبيدة على ذلك، قال الذهبي: فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة، حيث بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين، ولقبه المأمون، وولاه ممالك خراسان بأسرها، ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين، ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي، فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء، لقد ألقى بأسهم بينهم، وغائلة ذلك تضر بالرعية، وقالت الشعراء في البيعة المدائح، ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق، وفي ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
خير الأمور مغبة … وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه … الرحمن في البيت الحرام
وقال عبد الملك بن صالح في ذلك:
حب الخليفة حب لا يدين له … عاصي الإله وشار يلقح الفتنا
الله قلد هارونا سياسته … لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا
وقلد الأرض هارون لرأفته … بنا أمينا ومأمونا ومؤتمنا
قال بعضهم: وقد زوى الرشيد الخلافة عن ابنه المعتصم، لكونه أميا، فساقها الله إليه، وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته، ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة، وقال سلم الخاسر في العهد للأمين: