وحدثته يوما حديث: "احتج آدم وموسى" (١) وعنده رجل من وجوه قريش، فقال القرشي: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع (٢) والسيف، زنديق يطعن في حديث النبي ﷺ.
قال أبو معاوية: فما زلت أسكنه، وأقول: يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة، حتى سكن.
وعن أبي معاوية أيضا قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا: قال: أنا إجلالا للعلم.
وقال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة: الفضيل بن عياض، والرشيد، وآخر.
قال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه، أنت المسئول عن هذه الأمة؟ حدثنا ليث عن مجاهد: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦]؛ قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، فجعل هارون يبكي ويشهق.
ومن محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.
قال نفطويه: كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر، إلا في الحرص، فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه: أعطى مرة سفيان بن عيينه مائة ألف، وأجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف، وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار، وخلعة، وفرسا من مراكبه، وعشرة من رقيق الروم، وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: والله يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، فسكت، فلما تفرق الناس قال: ما لاقتني؟ قلت:
كفاك كف ما تليق درهما … جوادا وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقرنا في الملا، وعلمنا في الخلا، وأمر لي بخمسة آلاف دينار.
وفي مروج المسعودي قال: رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما، فقال له يحيى بن خالد البرمكي، كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام، وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه.
وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف ﵀ وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع، أنبه الناس وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم الموصلي، وزجته زبيدة.
(١) أخرجه البخاري "٦٦١٤/ ١١"، ومسلم "٢٦٥٢/ ٤".
(٢) النطع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك بساط من الأديم جمعها: أنطاع، ونطوع.