للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال العسكري في الأوائل: كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله، رأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا، فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه وحدا به سلم الحادي، فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة فأجازه بنصف درهم، فقال: لقد حدوت بهشام، فأجازني بعشرة آلاف، فقال: ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال يا ربيع وكل به من يقبضها منه، فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهابا وإيابا بغير شيء.

وفي كتاب الأوائل للعسكري: كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر، فدخل على المنصور فأنشده:

له لحظات من خفا في سريرة … إذا كرها فيها عقاب ونائل

فأم الذي أمنت آمنة الردى … وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل

فأعجب به المنصور، و قال: ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة ألا يحدني إذا وجدني سكران، فقال: لا أعطل حدا من حدود الله، قال: تحتال لي، فكتب إلى عامله: من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين.

فكان العون إذا مر به وهو سكران، يقول: من يشتري مائة بثمانين؟! ويتركه ويمضي.

قال: وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم، وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها؛ فليس لك عندنا مثلها، فقال: إني ألقاك على الصراط بختمة الجهبذ.

ومن شعر المنصور، وشعره قليل:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرأي أن تترددا

ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا

وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، فأدخلني منزله، فقدم إلي طعاما لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التمر؟ قالت: لا، فاستلقى وقرأ: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم﴾ [الأعراف: ١٢٩] فلما ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا إلا رأيته في سلطانك، فقال: إنا لا نجد الأعوان، قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم، فأطرق.

ومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. أسنده الصولي.

وقال: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك، وإلا فقبلها، أسنده أيضا.

وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه دخل المدينة فقال للربيع: اطلب لي رجلا يعرفني دور الناس، فجاءه رجل، فجعل يعرفه الدور، إلا أنه لا يبتدئ به حتى يسأله المنصور، فلما فارقه أمر له بألف درهم، فطالب الرجل الربيع بها،

<<  <   >  >>