للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فهموا العلموا أن هذا ليس بنقد لأنه محرم، وإنما يخير بين النقد والنسيئة المباحين فمثلهم كمثل محموم جاهل يأكل العسل، فإذا عوتب، قال: الشهوة نقد والعافية نسيئة. ثم لو عملوا حقيقة الإيمان لعلموا أن تلك النسيئة وعد صادق لا يخلف. ولو علموا عمل التجار الذين يخاطرون بكثير من المال لما يرجونه من الربح القليل العلموا أن ما تركوه قليل، وما يرجونه كثير. ولو أنهم ميزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم لرأوا تعجيل ما تعجلوا، إذ فاتهم الربح الدائم وأوقعهم في العذاب الذي هو الخسران المبين الذي لا يتلافى (١)

ومنهم من يقول: الرب كريم، والعفو واسع والرجاء من الدين. فيسمون تمنيهم واغترارهم رجاء، وهذا الذى هلك عامة المذنبين.

قال أبو عمرو بن العلاء: بلغنى ان الفرزدق جلس الى قوم يتذاكرون رحمة الله، فكان أوسعهم في الرجاء صدرا. فقالوا له: لم تقذف المحصنات!؟ فقال: أخبروني لو اذنبت الى والدى ما أذنبته إلى ربي ﷿ أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنور مملوءا جمرا؟ قالوا: لا إنما كانا يرحمانك، قال: فأني أوثق برحمة ربي منهما.

قلت: وهذا هو الجهل المحض، لأن رحمة الله ﷿ ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذبح عصفور ولا أميت طفل ولا أدخل أحد إلى جهنم.

وباسناد عن عباد، قال: قال الأصمعي: كنت مع أبي نواس بمكة، فماذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر الأسود، فقلت: ويلك أتق الله ﷿، فإنك ببلد حرام وعند بيته الحرام، فقال: ما منه بد، ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه، فبادر أبو نواس فوضع خده على خد الغلام فقبله - وأنا أنظر - فقلت: ويلك أفي حرم الله ﷿؟! فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشد يقول:

وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود

فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد

قلت: أنظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها الى الرحمة، ونسى شدة


(١) تلاف الامر: تداركه.

<<  <   >  >>