قال: في كل ليلة حمصة. قلت: فما الذي يهيج (١) من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذين بحذائك (٢)، قلت: نعم، قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنف جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: أزيدك؟ قلت: نعم، قال انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى، فقالوا: يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ، قلت: من قوته، قالوا: وما تصنع به نحن أحق به، ساوم (٣)، قلت: عشرين دينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت الى الشيخ، فقال: اخطأت لوساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنف، أقبل على ربك.
قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين، يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول (٤)، وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء.
وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم، فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضي له حاجته، وان اشتري (٥) أن يقارب (٦) لمكان دينه، وإن لقي حيي ووقر.
(١) هاج الرجل: اضطرب وتحرك، وهيج الشيء: أثارة وبعثه. (٢) من المحاذاة: وحاذاه: جلس بازائه. (٣) اي اطلب ثمن السلعة. (٤) لان الشهرة في عصره كانت بتقصير الثوب، لكن بشرط الا يزيد في طوله حتى يتجاوز الكعبين ففي الحديث الصحيح الذي رواه ابو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «ازرة المؤمن الى نصف الساق ولا حرج أو ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل الكعبين فهو في النار. ومن جر ثوبه بطرا لم ينظر الله اليه. (٥) البيع: بذل المثمن واخذ أو اخذ المثمن وبذل الثمن وهو من الاضواء. (٦) قاربه: حادثة بكلام حسن. وقارب في الامر: ترك الغلو.