للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومما وقع في هذه الأيم من الحوادث الشنيعة، أن شخصا من أمراء ابن عثمان صار يجلس على دكة بباب الصالحية يسمونه المحضر، وحوله جماعة من الانكشارية، فكان لا يقضي أمر من الأحكام الشرعية حتى يعرض عليه فكان يقف بين يديه الشاكي والمشتكي ويخاطبونه بترجمان بينهما عن أمر الشكاية، فكان يقرر على كل محكمة في كل أشرفي ستة دراهم نقرة، يأخذها لنفسه من الشاكي والمشتكي، يسمون ذلك مصلحات. وكان إذا أمر بشيء لا تعارضه القضاة وكان يزعم أنه مستوفى على القضاة في الأمور الشرعية، وكان يضرب من يستحق الضرب، ويسجن من يستحق السجن، ولا يراجع القضاة في ذلك، فكان يتصل له في كل يوم من ذلك القدر المعلوم مال له صورة، يأخذه من الشاكي والمشتكي.

ثم إنهم أحدثوا مظلمة أخرى، وهي أنهم قرروا إنصافا على كل دكان من الشهود ومجالس القضاة الذين بمصر والقاهرة قاطبة كل شهر ستة، ويزعمون أنهم يوردون ذلك القدر لبيت مال المسلمين، ويجهزونه إلى السلطان ابن عثمان. وقد ضعفت شوكة الشرع في هذه الأيام جدا، وقد قال القائل في المعنى:

يا رب زاد الظلم واستحوذوا … والفعل منهم ليس يخفى عليك

ومالنا إلاّك فانظر لنا … ونجنا منهم وخذهم إليك

ولما حضر الأمير جانم الحمزاوي دوادار ملك الأمراء خاير بك أخبر بأن السلطان سليم شاه لما دخل إلى الشام استقر بالأمير جان بردي الغزالي نائب الشام. وجعل له التحدث من غزة إلى الشام وأعمالها، يولي من يختار ويعزل من يختار. وأشيع أن عسكر ابن عثمان لما دخلوا إلى الشام طردوا الناس عن بيوتهم وسكنوا فيها كما فعلوا بمصر، وخربوا غيطانها وزروعها، وقطعوا أشجارها، وأكلوا جميع فواكهها.

وفي يوم الاثنين ثالث ربيع الأول أشيع بين الناس بالمراسيم التي حضرت من عند الخنكار سليم شاه على يد الأمير جانم الحمزاوي، فكان مضمونها أنه أرسل يقول لملك الأمراء خاير بك "اصرف لأولاد الناس جوامكهم على العادة، وكذلك المماليك الجراكسة، وكل من له جامكية يصرفها له، ويجري الناس على عوائدهم من كبير وصغير". فشكر له الناس ذلك ودعوا له.

فلما بلغ أولاد الناس ذلك طلعوا إلى القلعة ونزلوا أسماءهم عند القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، حتى كل من كان له جامكية أشرفي أو مائتا درهم. وأرسل يقول

<<  <  ج: ص:  >  >>