للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ممن كان فى الترسيم، وتصدّق بمال له صورة، وكانت تلك الأيام خيار أيام دولته على الإطلاق. ويقرب من ذلك ما وقع للملك الأشرف قايتباى، لما وقع من على الفرس وانكسر فخذه، وأقام وهو منقطع فى القاعة التى بجوار الدهيشة، وجلس على سرير مقوّر، وصارت الناس تدخل عليه وتسلّم عليه، فجاد مع الناس وأفرج عن جماعة كثيرة من المباشرين كانوا فى الترسيم، وتصدّق بمال له صورة على الفقراء وعلى المساكين، وفعل أشياء كثيرة من أنواع البرّ والصدقات، وكانت تلك الأيام خيار أيام دولته، وغالب هؤلاء (١) الملوك ما يعرفون (٢) الله إلا وهم تحت الحمل، إذا جرى عليهم مصيبة يجودون (٣) فى حق الناس ويفعلون الخير.

وفى يوم السبت ثالث عشره أشيع أن ملك الأمراء قد دخل عليه النزاع، وأنه أرسل خلف الأمير سنان بك العثمانى، فلما طلع إليه وجده فى حال التلف، فدفع إليه خاتم الملك الذى كان السلطان سليم شاه أعطاه له، ثم أنه قال له على قدر الأموال التى (٤) فى الحزائن، وقال له: أنت تكون النائب على مصر من بعدى. ثم أوصاه على أولاده، وعلى عياله، وعلى جماعته، وعلى حاشيته، وعلى الشيخ يونس النصرانى، وعلى مماليكه، وقال له: كما كنت فى حقّكم كونوا فى حق جماعتى كذلك.

فلما نزل الأمير سنان من عنده قوى عليه النزاع وصار يتكلم فى الغيبانيات، ويقول: أين المال؟ أين الملك؟ وصار يصعق حتى خاف منه من كان حوله، وقد فتنته الدنيا كما فتنت من قبله، فكان كما يقال فى المعنى.

قد نادت الدنيا على نفسها … لو كان فى العالم من يسمع

كم واثق بالعمر خيّبته … وجامع بدّدت ما يجمع

وفى يوم الأحد رابع عشره أرجفت القاهرة بموت ملك الأمراء خاير بك، وأشيع أنهم أدخلوه إلى دور الحريم وقد أغمى عليه، وأقاموا نعيه بالقلعة بعد الظهر، ثم إنه بعد ذلك أفاق بعد العصر فطلب الحكماء، فلما طلعوا إليه وجدوه قد أفصل


(١) هؤلاء: هذا.
(٢) يعرفون: يعرفوا.
(٣) يجودون: يجودوا.
(٤) التى: الذى.