حَدَّثَنِي الأَثْرَمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " هَاجَ الْهِجِاءُ بَيْنَ النَّجَاشِيِّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي الْحَارِثَ بْنِ كَعْبٍ كَانَتْ نَاكِحًا بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، فَكَانَ ابْنُ حَسَّانٍ يُشَبِّبُ بِهَا حَتَّى يَرِقَا ذَلِكَ، فَهَجَاهُ النَّجَاشِيُّ بِنَجْرَانَ، ثُمَّ إِنَّهُمَا اتَّعَدَا سُوقَ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ تَقُومُ حِينَ يَسْتَهِلُّ هِلالُ ذِي الْحِجَّةِ، ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَمِنَهَا كَانَ يَتَجَهَّزُ النَّاسُ، وَيَمْضُونَ إِلَى مَكَّةَ إِلَى الْمَوْسِمِ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ، وَأَتَاهُمُ ابْنُ حَسَّانٍ يَسْتَنْفِرُهُمْ، شَاعِرَانِ سَفِيهَانِ، يَهْجُوَانِ النَّاسَ وَيُحْيِيَانِ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ تَنْفَرْ مَعَهُ جِلَّتُهُمْ، وَلا ذَوُو أَسْنَانِهِمْ، وَخَفَّ مَعَهُ شَبَابٌ مِنْ سُفَهَائِهَمْ، وَفِتْيَانٌ مِنْ قُرَيشٍ، وَأَفْنَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ عِيَاضُ بْنُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ حَسَّانٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا ذَا الْمَجَازِ، إِذَا النَّجَاشِيُّ قَدْ وَافَى فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ حَسَّانٍ، سَأَلَ مَنْ أَعَزُّ مَنْ هَهُنَا؟ قَالُوا: هَذِهِ بِلادُ هَوَازَنَ، وَقَدْ نَزَلْنَا بَيْهَسِ بْنِ عَقَالِ الْعَقِيلِيِّ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَلَمْ نُصَادِفْهُ، وَوَجَدْنَا امْرَأَةً، فَسَأَلْنَاهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، انْطَلَقَ يَشْتَرِي كِسْوَةً لِأَهْلِهِ، قَالَ: فَقَعَدْنَا فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ أَقْبَلَ، وَمَعَهُ رَجُلٌ حَامِلٌ رُزْمَةً مِنْ ثِيَابٍ، وَفِي كَفِّ بَيْهَسٍ أَثْوَابٌ كَأَنَّهُ يَشْتَدُّ بِهَا، وَإِذَا هُوَ دَالِفٌ حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَيْنَا وَضَعَ مَا مَعَهُ، وَرَحَّبَ بِنَا وَنَسَبَنَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنَا ابْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ النَّجَاشِيَّ يَهْجُونَا، وَيُقَطِّعُ أَعْرَاضَنَا، فَوَاعَدْتُهُ، وَقَدْ وَافَى فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَمْنَعَنِي حَتَّى أَلْقَاهُ، فَأُوَافِقُهُ.
فَقَالَ: نَحِّ هَذَا عَنِّي يَا ابْنَ أَخِي إِلَى غَيْرِي، فَقَدْ نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَرَدْتُ أَنْ لا أُدْخِلَ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَهَا، قَالَ: وَلَعَلِّي لا أَرَى حِجَّةً بَعْدَهَا.
قَالَ: فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ فَأَبَى، فَانْصَرَفْنَا، فَلَمَّا جَاوَزْنَا سَمِعْنَا امْرَأَتَهُ، تَقُولُ لَهُ: كَأَنِّي بِهَذَا الْمَوْلَى قَدْ قَالَ لَكَ قَوْلا لا يُنْكِحُ بِنْتًا لَكَ كُفْؤٌ أَبَدًا، أَتَاكَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لِتَمْنَعَهُ فَنَبَوْتَ عَنْهُ.
فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ ادْعِيهِمْ فَدُعِينَا، فَرَجَعْنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَمْنَعُكَ فَمَتَى وَاعَدْتَهُ؟ قَالَ: بِالْغَدَاةِ.
قَالَ: فَغَدَوْنَا، وَجَاءَ النَّجَاشِيُّ عَلَى جَمَّازٍ، وَجَاءَ بَيْهَسٌ، فَلَمَّا تَنَاقَضَا، جَعَلَ بَيْهَسٌ يَرَى أَبْصَارَ النَّاسِ إِلَى النَّجَاشِيِّ.
وَقَدْ كَانَ كَلَّ سَمْعُهُ مِنَ الْكِبَرِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ظَنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ، فَقَالَ: أَدْنُونِي مِنَ النَّجَاشِيِّ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: فَشُقَّ عَلَيْهِ، وَسَمِعَهُ يَقُولُ:
بَنَى اللُّؤْمُ بَيْتًا فَاسْتَقَرَّ عِمَادُهُ ... عَلَيْكُمْ بَنِي النَّجَّارِ ضَرْبَةَ لازِمٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.