للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها". قال: فما رد -صلى الله عليه وسلم- يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها، وجاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال عليه الصلاة والسلام: "حوالينا ولا علينا"، فانجابت السحابة عن المدينة حتى أحدق حولها كالإكليل، وضحك -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه". من ينشدنا قوله؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل


يجر رداءه" من العجلة لما جبل عليه من الرأفة والرحمة "حتى صعد" بكسر العين "المنبر، فرفع يديه" بالتثنية "إلى السماء، ثم قال: "اللهم اسقنا" عمم الطلب فلم يقل: اسقهم "غيثا" مطرا "مغيثا" لنا من هذه الشدة "مربعا غدقا" بمعجمة فمهملة كثير القطر "طبقا" بفتحتين "نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث" بمثلثة، أي: بطيء "تملأ به الضرع" للمواشي "وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض" بالنبات "بعد موتها" يبسها تشبيها بالحيوان الذي إذا مات يبس.
"قال" أنس: "فما رد -صلى الله عليه وسلم- يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها:" جمع برق ما يلمع من السحاب "وجاء أهل البطانة" أي: الساكنون خارج المدينة "يضجون" يصيحون: "الغرق الغرق" بالتكرير "فقال عليه السلام:" أنزل المطر "حوالينا ولا" تنزله "علينا، فانجابت": خرجت "السحابة عن المدينة حتى أحدق" أي: دار "حولها كالإكليل" المحيط بالشيء "وضحك -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه" فرحا بزوال الكرب عن أمته "ثم قال: "لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه": بردت وسكنت كناية عن السرور "من ينشدنا قوله فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله" في قصيدته الطويلة التي قالها لما تمالأت قريش على النبي -صلى الله عليه وسلم: ونفروا عنه من يريد الإسلام يذكرهم يده عليهم وبكرته من صغره، وهي ثلاثة وثمانون بيتا عند ابن إسحاق، وقال المصنف: عدة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات، وسبق منها جملة في أوائل المقصد الأول "وأبيض" بفتح الضاد المعجمة مجرور برب مقدرة أو منصوب بإضمار، أعني: أو أخص، والراجح أنه بالنصب عطفا على سيد المنصوب في البيت الذي قبله وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... بحوط الذمام غير ذرب مواكل
أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أبيض "يستسقي" مبني للمفعول "الغمام" السحاب "بوجهه" أي: ذاته، أي يتوسل إلى الله به "ثمال" بكسر المثلثة وخفة الميم هو العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي أطلق على كل ذلك، ويصح إرادة الجميع هنا "اليتامى عصمة للأرامل" أي: يمنعهم مما يضرهم والأرامل المساكين من رجال ونساء، ويقال

<<  <  ج: ص:  >  >>