-عليه الصلاة والسلام, وقوته في الله وشدته، فعن أنس، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَلَ الصوت فتلقَّاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر...............
وشجاع، بضم الشين، وبنو عقيل، بفتحها، حملًا على نقيضه، وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف، فرارًا من توالى حركات متوالية من جنس واحد، وهو الشديد القلب عند البأس المستهين بالحروب، "-عليه الصلاة والسلام, وقوته" يعني: كما أنه تام لقوة في أعضائه، فهو تامها في حقوق الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، مراقب لحدوده، حافظ لها، لا يخاف "في الله" لومة لائم، "وشدته" وظاهر المصنف تغاير هذا الألفاظ، والمفهوم من كلام غيره ترادفها، وأنها وإن اختلفت مفهومًا متحدة ما صدقًا. قال الشامي: الشجاعة انقياد النفس مع قوة غضبية وملكة يصدر عنها انقيادها في أقدامها، متدربة على ما ينبغي في زمن ينبغي، وحال ينبغي، ومن في المصنف بيانية بتقدير مضاف، أي: من دال شجاعته؛ إذ الشجاعة ليست مروية، ولما كانت شجاعته معلومة لكل الناس لم يحتج إلى بيانها، بل بَيِّنَ المروي، فقال: "فعن أنس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس" صورة وسيرة؛ لأن الله أعطاه كل الحسن، "وجود الناس" لتحليه بصفات الله التي منها الجود والكرم، أي: بكل ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوت إحصائه كثرة؛ لأن من كان أعظمهم شرفًا، وأيقظهم قلبًا؛ وألطفهم طبعًا، وأعدلهم مزاجًا, جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدًا؛ ولأنه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات. "وأشجع الناس:" أقواهم قلبًا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولَّى قط ولا تحدَّث أحد بفراره؛ وقد ثبتت أشجعيته بالتواتر النقلي، بل أخذه بعضهم من النص القرآني لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} الآية، فكلفه وهو فرد جهاد الكل، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، ولا ضير في كون المراد هو ومن معه؛ إذ غايته أنه قوبل بالجميع، وذلك مفيد للمقصود، وهذه الثلاث أمهات الأخلاق الفاضلة، فلذا اقتصر عليها، كما يأتي للمصنف بيانه، "لقد فزع" بكسر الزاي، خاف "أهل المدينة ذات ليلة" من صوت سمعوه، كما أفاده بقوله: "فانطلق الناس قِبَل" بكسر، ففتح، جهة "الصوت" ليعرفوا خبره، لظنهم أنه عدو، "فتلقَّاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا" حال كونه "قد سبقهم إلى الصوت" وحده, وذلك دليل على كمال شجاعته، لمبادرته منفردًا للخروج، "واستبرأ الخبر" بمهملة، وفوقية، وموحدة، وهمزة، وقد تبدَّل ألفًا، أي: كشفه، ووقف على حقيقته.