يُمَثِّل فِيهِ مَوْقِف اَلْوَدَاع اَلَّذِي جَرَى بَيْنه وَبَيْن امه عَلَى شَاطِئ اَلْبَحْر يَوْم رَحِيله وَكَانَ مَوْقِفًا مُحْزِنًا فَأَحْسَن تَمْثِيله فَأُعْجِبَ اَلْقَوْم بِجَمَالِهِ وَأَثَر فِي نُفُوسهمْ مَنْظَره فَقَضَوْا لَهُ بِالْجَائِزَةِ اَلَّتِي كَانَ يَمَنِيّ نَفْسه بِهَا فَمَا حَصَلَتْ فِي يَده حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَسْعَد أَهْل اَلْأَرْض طرا وَأَنَّ هَذَا اَلْيَوْم هُوَ أَوَّل يَوْم هَبَطَ فِيهِ عَالَم اَلْوُجُود وَأَنَّهُ مَا ذَاقَ قَبْل اَلسَّاعَة مَرَارَة اَلْعَيْش وَلَا رَأَى صُورَة اَلشَّقَاء.
وَكَذَلِكَ يَعْبَث اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ مَا يَعْبَث وَيُذِيقهُ مَا يُذِيقهُ نِمْنَ صُنُوف اَلشَّقَاء وَأَلْوَان اَلْآلَام حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَوْحَشَهُ وَأَرَابَهُ وَمَلَأَ قَلْبه غَيْظًا وَحَنَقًا أَطْلَعَ لَهُ فِي تِلْكَ اَلسَّمَاء اَلْمُظْلِمَة اَلْمُدْلَهِمَّة بَارِقَة وَاحِدَة مِنْ بوارق اَلْأَمَل اَلْكَاذِب فَاسْتَرَدَّهُ بِهَا إِلَى حَظِيرَته رَاضِيًا مُغْتَبِطًا كَمَا تقاد السائمة اَلْبَلْهَاء بِأَعْوَاد اَلْكَلَأ إِلَى مَصْرَعهَا فَمَا اسعد اَلدَّهْر بِالْإِنْسَانِ وَمَا أَشْقَى اَلْإِنْسَان بِهِ.
أَرْسَلَ اَلْفَتَى إِلَى أُمّه بَعْض اَلْمَال وَاسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ بَعْضًا وَكَتَبَ إِلَيْهَا أَنَّهُ لَنْ يَبْرَح هَذِهِ اَلْأَرْض حَتَّى يَفِي لَهَا بِمَا عَاهَدَهَا عَلَيْهِ وَمَشَى فِي طَرِيقه يُفَتِّش عَنْ خَاله فِي أَنْحَاء اَلْبِلَاد وَيُسَائِل عَنْهُ كُلّ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ اَلْقَاطِنِينَ وَالطَّارِئَيْنِ وَحَتَّى حَدَّثَهُ بَعْضهمْ أَنَّ آخِر عَهْدهمْ بِهِ رِحْلَة رَحْلهَا عَنْهُمْ مِنْ بِضْع سَنَوَات إِلَى بَعْض اَلْجُزُر اَلْجَنُوبِيَّة فِي اَلتَّفْتِيش عَنْ مَعْدِن نُحَاس هُنَاكَ ثُمَّ لَمْ عَدّ بَعْد ذَلِكَ فَمَشَى فِي اَلطَّرِيق اَلَّتِي عَلِمَ أَنَّهُ سَلَكَهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَزِيرَة مُوحِشَة مُقْفِرَة وَكَانَتْ لَا تَزَال تَغُشِّي سَمَاء تِلْكَ اَلْبِلَاد بَقِيَّة مِنْ ظُلُمَات اَلْعُصُور اَلْأَوْلَى فَمَرَّ بِقَبِيلَة مِنْ قَبَائِل اَلزِّنْج نَازِلَة هُنَاكَ وَرَاء بَعْض اَلْجِبَال اَلْمُنْقَطِعَة فَمَا رَاؤُهُ حَتَّى هَاجَتْ فِي صُدُورهمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.