للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سيّما وهم مخلوقون منها وفيها، كما قيل:

ونحن بنو الدنيا ومنها نباتُنا … وما أنت منه فهو شيء محبّب (١)

وجعل الناس فيها قسمين:

أحدهما: مصلح متقي، فهذا تقواه وإصلاحه لا يدعانه ينهمك عليها، ويشره فيها، ويأخذها من غير حلّها، ويضعها في غير حقّها. فإن لم يتقِ ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه إلى تحصيلها، فكان كالذي يأكل ولا يشبع.

وهذا من أحسن الأمثلة، فإن المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوّة وذلك تابع لقدر الحاجة، وليس المقصود منه ذاته ونفسه، فمن جعله نهمته فوّتَ مقصوده ولم يشبع. ولهذا قال الإمام أحمد: "الدنيا قليلها يجزي، وكثيرها لا يجزي" (٢).

وأخبر عن تفاوت الناس في المنزلتين: أعني منزلة التقوى والإصلاح، ومنزلة الأكل والشره، وأن بين الرجلين في ذلك كما بين الكوكبين الغارب في الأفق والطالع منه، وبين ذلك منازل متفاوتة.

فصل

المثال التاسع: ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال: كنت


(١) البيت لمحمد بن وهيب الحميري. انظر: "معجم الشعراء" للمرزباني ص (٣٥٧)، وانظر تخريجه ورواياته المختلفة في: "شعراء عباسيون" للسامرّائي ص (٥٨ - ٥٩). (ص).
(٢) انظر: "طبقات الحنابلة" (١/ ١٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>