قالت: فيَّ الحلال والشبهة والمكروه والحرام، فقالوا: هاتِ حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها وحده فقالت: قد ذهب به من قبلكم. فأخذوا مكروهها وشبهها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه، فطلبوا شُبَهَهَا ومكروهها، فقالت: قد أخذه من كان من قبلكم، قالوا: فهاتِ حرامك فأخذوه. فطلبه من بعدهم، فقالت: هو في أيدي الظلمة، قد استأثروا به عليكم، فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة، فلا يمد فاجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه.
هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية، كما قال ابن مسعود:"ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤداة"(١).
قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسدًا للدين من وجوه:
أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها، وهي حقيرة عند اللَّه، ومن أظهر (٢) الذنوب تعظيم ما حقّر اللَّه.
وثانيها: أن اللَّه تعالى لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها، ومن
(١) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٩٠٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٥٥٧)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" رقم (١٧٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٤٤). (٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "أكبر".