الْمَدْفُونُ، فَلَمَّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلَى ذَلِكَ تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى أَنْ كَتَبُوا فِي خِلَالِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مِنَ السِّحْرِ تُنَاسِبُ/ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ أَوْهَمُوا النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ سُلَيْمَانَ وَأَنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِسَبَبِ هَذِهِ الأشياء
فهذا معنى: «ما تتلوا الشَّيَاطِينُ» ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْوَجْهِ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ شَيَاطِينَ الْجِنِّ لَوْ قَدَرُوا عَلَى تَغْيِيرِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَشَرَائِعِهِمْ بِحَيْثُ يَبْقَى ذلك التحريف محققاً فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ لَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الطَّعْنِ فِي كُلِّ الْأَدْيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ عَلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، أَمَّا لَوْ جَوَّزْنَا هَذَا الِافْتِعَالَ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ أَنْ نَزِيدَ فِي كُتُبِ سُلَيْمَانَ بِخَطٍّ مِثْلِ خَطِّ سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ وَيَبْقَى مَخْفِيًّا فَيُفْضِي إِلَى الطَّعْنِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَمَّا قَوْلُهُ: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فَقِيلَ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقِيلَ عَلَى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ افْتِرَاءً عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ مِنْ كُتُبِ السِّحْرِ وَيَقُولُونَ إِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا وَجَدَ ذَلِكَ الْمُلْكَ بِسَبَبِ هَذَا الْعِلْمِ، فَكَانَتْ تِلَاوَتُهُمْ لِتِلْكَ الْكُتُبِ كَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمُلْكِ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ هُوَ النُّبُوَّةُ، أَوْ يَدْخُلُ فِيهِ النُّبُوَّةُ وَتَحْتَ النُّبُوَّةِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَالشَّرِيعَةُ. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ «١» ثُمَّ أَخْرَجَ الْقَوْمُ صَحِيفَةً فِيهَا ضُرُوبُ السِّحْرِ وَقَدْ دَفَنُوهَا تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ ثُمَّ أَخْرَجُوهَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَوْهَمُوا أَنَّهَا مِنْ جِهَتِهِ صَارَ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَقَوُّلَا عَلَى مُلْكِهِ فِي الْحَقِيقَةِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا ادَّعَوْا أَنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا وَجَدَ تِلْكَ الْمَمْلَكَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ كَانَ ذَلِكَ الِادِّعَاءُ كَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: السَّبَبُ فِي أَنَّهُمْ أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَرْغِيبًا لِلْقَوْمِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْيَهُودَ مَا كَانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ سُلَيْمَانَ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّمَا وَجَدَ ذَلِكَ الْمُلْكَ بِسَبَبِ السِّحْرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا سَخَّرَ الْجِنَّ لِسُلَيْمَانَ فَكَانَ يُخَالِطُهُمْ وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ أَسْرَارًا عَجِيبَةً فَغَلَبَ عَلَى الظُّنُونِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَفَادَ السِّحْرَ مِنْهُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ فَهَذَا تَنْزِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ نَسَبُوهُ إِلَى الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ: قِيلَ فِيهِ أَشْيَاءُ، أَحَدُهَا: ما روي عن بعض أخبار الْيَهُودِ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ نَبِيًّا وَمَا كَانَ إِلَّا سَاحِرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ السَّحَرَةَ مِنَ الْيَهُودِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَخَذُوا السِّحْرَ عَنْ سُلَيْمَانَ فَنَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ قِوَامَ مُلْكِهِ كَانَ بِالسِّحْرِ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً، [أما قوله تعالى ولكن الشياطين كفروا] ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي بَرَّأَهُ مِنْهُ لَاصِقٌ بِغَيْرِهِ فَقَالَ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُشِيرُ/ بِهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ السِّحْرَ كَالْحِرْفَةِ لِنَفْسِهِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى سُلَيْمَانَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَا بِهِ كَفَرُوا فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمْ مَا كَفَرُوا أَوَّلًا بِالسِّحْرِ فَقَالَ تَعَالَى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي السِّحْرِ يَقَعُ مِنْ وُجُوهٍ.
(١) في هذا الموضع سقط ظاهر واضطراب ولم أجد في الأصول ما يكمله.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.