الْبَحْثُ الثَّانِي: قَالَ قَائِلُونَ قَوْلُهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يُفِيدُ بِفَحْوَاهُ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقُرْبِ لَا يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ إِذْ رُبَّمَا كَانَ الصَّلَاحُ فِي تَرْكِ قُرْبِهَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ إِلَيْهِ لَجَازَ لَهُ أَكْلُهُ، بَلْ هَذَا الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنِ الْقُرْبِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ فَإِنَّمَا عُرِفَ بِدَلَائِلَ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [الْأَعْرَافِ: ٢٢] وَلِأَنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَامَ فِي بَابِ الْإِبَاحَةِ بِالْأَكْلِ فَقَالَ: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما فَصَارَ ذَلِكَ كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى نَهَاهُمَا عَنْ أَكْلِ ثَمَرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لَكِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَوْلِ يَعُمُّ الْأَكْلَ وَسَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ وَلَوْ نَصَّ عَلَى الْأَكْلِ مَا كَانَ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ فَفِيهِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الشَّجَرَةِ مَا هِيَ، فَرَوَى مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أَنَّهَا الْبُرُّ وَالسُّنْبُلَةُ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ: هِيَ الشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ السُّنْبُلَةُ.
وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا الْكَرْمُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا التِّينُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ شَجَرَةً مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ حَدَثٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الظَّاهِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى بَيَانِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُعَرِّفَنَا عَيْنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَمَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي/ الْكَلَامِ، لَا يَجِبُ عَلَى الْحَكِيمِ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بَيَانُهُ عَبَثًا لِأَنَّ أَحَدَنَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْعُذْرَ لِغَيْرِهِ فِي التَّأَخُّرِ فَقَالَ: شُغِلْتُ بِضَرْبِ غِلْمَانِي لِإِسَاءَتِهِمُ الْأَدَبَ لَكَانَ هَذَا الْقَدْرُ أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ عَيْنَ هَذَا الْغُلَامِ وَيَذْكُرَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ وَقَعَ هاهنا تَقْصِيرٌ فِي الْبَيَانِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمُ الْأَقْرَبُ فِي لَفْظِ الشَّجَرَةِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا لَهُ سَاقٌ وَأَغْصَانٌ، وَقِيلَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصَّافَّاتِ: ١٤٦] مَعَ أَنَّهَا كَالزَّرْعِ وَالْبِطِّيخِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَهَابُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَجَرًا، قَالَ الْمُبَرِّدُ: وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلَّ مَا تَفَرَّعَتْ لَهُ أَغْصَانٌ وَعِيدَانٌ فَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ شَجَرًا فِي وَقْتِ تَشَعُّبِهِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ كُلُّ مَا شَجَرَ أَيْ أَخَذَ يُمْنَةً وَيُسْرَةً يُقَالُ: رأيت فلاناً في شَجَرَتُهُ الرِّمَاحُ. وَقَالَ تَعَالَى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النِّسَاءِ: ٦٥] وَتَشَاجَرَ الرَّجُلَانِ فِي أَمْرِ كَذَا.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ هُوَ أَنَّكُمَا إِنْ أَكَلْتُمَا فَقَدْ ظَلَمْتُمَا أَنْفُسَكُمَا لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ظُلْمُ الْغَيْرِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَالِمًا بِأَنْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ وَبِأَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَظُلْمُ النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس هاهنا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الْكَبِيرَةِ فَلَا جَرَمَ كان فعله ظلماً، الثاني: قوله الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الصَّغِيرَةِ ثُمَّ لِهَؤُلَاءِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِأَنْ أَلْزَمَهَا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالتَّلَافِي، وَثَانِيهِمَا: قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ وَهُوَ أَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْبَطَ بَعْضَ ثَوَابِهِ الْحَاصِلِ فَصَارَ ذَلِكَ نَقْصًا فِيمَا قَدِ اسْتَحَقَّهُ، الثَّالِثُ:
قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ صُدُورَ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مُطْلَقًا وَحَمَلَ هَذَا الظُّلْمَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ مَا الْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ. وَمِثَالُهُ إِنْسَانٌ طَلَبَ الْوِزَارَةَ ثُمَّ إِنَّهُ تَرَكَهَا وَاشْتَغَلَ بِالْحِيَاكَةِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: يَا ظَالِمَ نَفْسِهِ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ أَوْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِي أَنْفُسَهُمْ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ الذم.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.