فَأُدْخِلَتِ الْهَاءُ عِوَضًا مِنَ الْمَحْذُوفِ وَقَامَتِ الْإِضَافَةُ هاهنا فِي التَّعْوِيضِ مَقَامَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، قَالَ وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
المسألة الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ الْفَرَائِضُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَ فِيهِ النَّقْلَ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّهُ إِلَى التَّعْرِيفِ أَقْرَبَ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَفْرُوضُ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي الشَّرْعِ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الْمُرَادُ مِنَ الزَّكَاةِ طَاعَةُ اللَّه تَعَالَى وَالْإِخْلَاصُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ [مَرْيَمَ: ٥٥] وَقَوْلِهِ: ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [النُّورِ: ٢١] وَقَوْلِهِ: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وَهَذَا ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الزَّكَاةَ بِالْإِيتَاءِ، وَهَذَا لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى مَا يُعْطَى مِنْ حُقُوقِ الْمَالِ.
المسألة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ وَإِنْ تَعَبَّدُوا بِذِكْرِ اللَّه وَالطَّاعَاتِ فَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَوْصُوفُونَ بِالْوَجَلِ وَالْخَوْفِ فَقَالَ: يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ وَذَلِكَ الْخَوْفُ إِنَّمَا كَانَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَا عَبَدُوا اللَّه حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِتَقَلُّبِ القوب وَالْأَبْصَارِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقُلُوبَ تَضْطَرِبُ مِنَ الْهَوْلِ وَالْفَزَعِ وَتَشْخَصُ الْأَبْصَارُ لِقَوْلِهِ: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الْأَحْزَابِ: ١٠] الثَّانِي: أَنَّهَا تَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهَا فَتَفْقَهُ الْقُلُوبُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْهَا لَا تَفْقَهُ وَتُبْصِرُ الْأَبْصَارُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَا تُبْصِرُ، فَكَأَنَّهُمُ انْقَلَبُوا مِنَ الشَّكِّ إِلَى الظَّنِّ، وَمِنَ الظَّنِّ إِلَى الْيَقِينِ، وَمِنَ الْيَقِينِ إِلَى الْمُعَايَنَةِ، لِقَوْلِهِ:
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ/ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزُّمَرِ: ٤٧] وَقَوْلِهِ: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ق: ٢٢] ، الثَّالِثُ: أَنَّ الْقُلُوبَ تَتَقَلَّبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ طَمَعًا في النجابة وَحَذَرًا مِنَ الْهَلَاكِ وَالْأَبْصَارَ تَنْقَلِبُ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يُؤْمَرُ بِهِمْ، أَمِنْ نَاحِيَةِ الْيَمِينِ أَمْ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ؟ وَمِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يُعْطُونَ كِتَابَهُمْ أَمِنْ قِبَلِ الْأَيْمَانِ أَمْ مِنْ قِبَلِ الشَّمَائِلِ؟ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يَرْضَوْنَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ أَهْلَ الثَّوَابِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ الْبَتَّةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَهْلَ الْعِقَابِ لَا يَرْجُونَ الْعَفْوَ، لَكِنَّا بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا الْمَذْهَبِ غَيْرَ مَرَّةٍ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقُلُوبَ تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا فَتَبْلُغُ الْحَنَاجِرَ، وَالْأَبْصَارُ تَصِيرُ زُرْقًا، قَالَ الضَّحَّاكُ: يُحْشَرُ الْكَافِرُ وَبَصَرُهُ حَدِيدٌ وَتَزْرَقُّ عَيْنَاهُ ثُمَّ يَعْمَى، وَيَتَقَلَّبُ الْقَلْبُ مِنَ الْخَوْفِ حَيْثُ لَا يَجِدُ مُخَلِّصًا حَتَّى يَقَعَ فِي الْحَنْجَرَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [غَافِرٍ: ١٨] ، الْخَامِسُ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ الْمُرَادُ بِتَقَلُّبِ الْقُلُوبِ والأبصار تغير هيئاتهما بِسَبَبِ مَا يَنَالُهَا مِنَ الْعَذَابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً بِهَيْئَةِ مَا أُنْضِجَ بِالنَّارِ وَمَرَّةً بِهَيْئَةِ مَا احْتَرَقَ، قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَقَلُّبَهَا عَلَى جَمْرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْأَنْعَامِ: ١١٠] .
المسألة الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا أَيْ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْقُرُبَاتِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه وَيُثِيبَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ مَا عَمِلُوا، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالْأَحْسَنِ الْحَسَنَاتُ أَجْمَعُ، وَهِيَ الطَّاعَاتُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْأَحْسَنَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ بَلْ يَغْفِرُهَا لَهُمْ. الثَّانِي:
أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْزِيهِمْ جَزَاءَ أَحْسَنِ مَا عَمِلُوا عَلَى الْوَاحِدِ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ الثَّالِثُ: قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الطَّاعَاتُ مِنْهُمْ مُكَفِّرَةً لِمَعَاصِيهِمْ وَإِنَّمَا يَجْزِيهِمُ اللَّه تَعَالَى بِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْإِحْبَاطِ وَالْمُوَازَنَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَجْزِيهِمْ بِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.