قالا جميعًا: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ. قال أحمدُ بنُ شُعيبٍ في حديثِه: حدَّثني الحارثُ بنُ شُبَيْلٍ. وقال أبو داودَ في حديثِه: عن الحارثِ بنِ شُبيلٍ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كان أحدُنا يُكلِّمُ الرجلَ إلى جنبِه في الصلاةِ فنزَلتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، فأُمِرْنَا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام. اللَّفظُ لحديثِ أبي داودَ. ففي هذا الحديثِ، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، دليلٌ على أنَّ المنعَ من الكلام كان بعدَ إباحتِه في الصلاةِ، وأنَّ الكلامَ فيها منسوخٌ بالنهي عنه والمنع منه.
وأمَّا قولُهم: إنَّ أبا هريرةَ لم يَشهدْ ذلك لأنَّه كان قبلَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ. فليسَ كما ذكَروا؛ بلَى إنَّ أبا هريرةَ أسلَمَ عامَ خيبرَ، وقدِم المدينةَ في ذلك العام، وصحِب النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ أربعةِ أعوام، ولكنَّه قد شهِد هذه القصةَ وحضَرها، لأنَّها لم تكنْ قبلَ بدرٍ، وحضورُ أبي هريرةَ يومَ ذي اليدَينِ محفوظٌ من روايةِ الحفاظِ الثقَاتِ، وليسَ تقصيرُ مَن قصَّرَ عن ذلك بحُجةٍ على من عَلِمَ ذلك وحفِظَه وذكَره، فهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد ذكَر في "موطَّئِه"(١) عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي سُفيانَ، مولى ابنِ أبي أحمدَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، وذكَر الحديثَ.
هكذا حدَّثَ به ابنُ القاسم (٢)، وابنُ وَهْبٍ (٣)، وابنُ بُكيرٍ (٤)، والقَعْنبِيُّ (٥)،
(١) ١/ ١٤٨ (٢٤٨). وهو الحديث الأول لداود بن الحصين، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. (٢) في موطّئه (١٥٦)، وفي المدوّنة ١/ ٢١٩. (٣) في موطّئه (٤٥٥). (٤) من طريقه أخرجه البيهقي في السنن الصغرى (٨٨٤). (٥) من طريقه أخرجه أبو عوانة في المستخرج ١/ ٥١٢ (١٩١٧)، والبيهقي في السنن الصغرى (٨٨٤).