قالوا: فغيرُ نكير أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذي اليدين وإنْ لم يشهَدْها.
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ حديثَ أبي هريرةَ منسوخ أنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ في ذلك. قالوا: فيومُ ذي اليَدَيْنِ، كان قبلَ يوم بدرٍ. واحتَجُّوا بما روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن العُمَريِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ إسلامَ أبي هريرةَ كان بعدَ موتِ ذي اليَدَين (١).
قالوا: وهذا الزُّهرِيُّ مع علمِه بالأثرِ والسِّيرِ، وهو الذي لا نظيرَ له في ذلك، يقولُ: إنَّ قصةَ ذي اليَدَينِ كانت قبلَ بدرٍ. حكَاه معمرٌ وغيرُه عن الزُّهريِّ، قال الزُّهريُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ (٢). وهو قولُ (٣) أبي معشرٍ؛ أنّ ذا اليَدَيْنِ قُتِل يومَ بدرٍ. وهو قولُ ابنِ عمر وجماعةِ أهلِ السِّيرِ قالوا: وحديثَ ابنِ مسعودٍ (٤) كان بمكّةَ في حين مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ، وذلك قبلَ الهجرةِ، وحديثَ أبي هُريرةَ كان بالمدينةِ في قصةِ ذي اليدَينِ، هذا ما لا يدفعُه حاملُ أثرٍ ولا ناقلُ خبرٍ، وابنُ مسعودٍ شهدَ بعدَ قُدومِه من أرضِ الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبر (٥).
قال أبو عُمر: هو كما قالوا إلَّا أنَّ مَن ذكَر في حديثِ ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في حين رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: "إنَّ اللَّهَ أحدَث ألَّا تَكَلَّمُوا
(١) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن ١/ ٢٢٣ (٤٢٣)، وإسناده ضعيف؛ العمري، وهو عبد اللَّه بن عمر بن حفص كما عند الطحاوي، ضعيف. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٢٩٦ (٣٤٤١)، وابن حبّان في صحيحه ٦/ ٤٠٣ بإثر (٢٦٨٥)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٤١ بإثر (٤٠٠٢)، وسيأتي تعليق المصنِّف المطوّل على هذه الرواية في أثناء هذا الشرح. (٣) من هنا إلى قوله: "وهو قول ابن عمر" سقط من الأصل قفز نظر. (٤) وهو الحديث الآتي بأسانيد للمصنِّف قريبًا. (٥) كتب ناسخ الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".