بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَالِاكْتِسَابِ وَمَنَاكِبُهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أَطْرَافُهَا، وَهِيَ الْجِبَالُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوَانِبُهَا، وَمَنْكِبَا الرَّجُلِ: جَانِبَاهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: طَرَفُهَا وَفِجَاجُهَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَشْيُ فِي مَنَاكِبِهَا مَثَلٌ لِفَرْطِ التذليل ومجازوته الْغَايَةَ، لِأَنَّ الْمَنْكِبَيْنِ وَمُلْتَقَاهُمَا مِنَ الْغَارِبِ أَرَقُّ شَيْءٍ مِنَ الْبَعِيرِ وَأَنْبَأَهُ عَنْ أَنْ يَطَأَهُ الرَّاكِبُ بِقَدَمِهِ وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَعَلَهَا فِي الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي فِي مَنَاكِبِهَا لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ فِي جِبَالِهَا فَهُوَ أَبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وَإِلَيْهِ النُّشُورُ: أَيْ الْبَعْثُ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عليكم.
قوله عَزَّ وَجَلَّ: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ، وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ، أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ، أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ، أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ، أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْبَزِّيُّ: أَأَمِنْتُمْ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ، وَأَدْخَلَ أَبُو عَمْرٍو وَقَالُونُ بَيْنَهُمَا أَلِفًا، وقنبل: بِإِبْدَالِ الْأُولَى وَاوًا لِضَمَّةِ مَا قَبْلَهَا، وَعَنْهُ وَعَنْ وَرْشٍ أَوْجُهٌ غَيْرُ هَذِهِ وَالْكُوفِيُّونَ وَابْنُ عَامِرٍ بِتَحْقِيقِهِمَا. مَنْ فِي السَّماءِ: هَذَا مَجَازٌ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ على أن تَعَالَى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ، وَمَجَازُهُ أَنَّ مَلَكُوتَهُ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ فِي السَّمَاءِ هُوَ صِلَةُ مَنْ، فَفِيهِ الضَّمِيرُ الَّذِي كَانَ فِي الْعَامِلِ فِيهِ، وَهُوَ اسْتَقَرَّ، أَيْ مَنْ فِي السَّمَاءِ هُوَ، أَيْ مَلَكُوتُهُ، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَمَلَكُوتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. لَكِنْ خَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مَسْكَنُ مَلَائِكَتِهِ وَثَمَّ عَرْشُهُ وَكُرْسِيُّهُ وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَمِنْهَا تَنْزِلُ قَضَايَاهُ وَكُتُبُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، أَوْ جَاءَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ اعْتِقَادِهِمْ، إِذْ كَانُوا مُشَبِّهَةً، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.