عَلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ زَمَانِيٍّ قَوْلُهُ فِي الرَّعْدِ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها «١» الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً «٢» الْآيَةَ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا جَعْلُ الرَّوَاسِي، وَتَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ قَبْلَ الِاسْتِوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ وَخَلْقِهَا، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْآيَتَيْنِ الْإِخْبَارُ بِصُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَرْتِيبٍ زَمَانِيٍّ، وَمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى يَوْمَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ سِتَّةٍ إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ، لَا أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ إِيجَادِ ذَلِكَ زَمَانٌ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ: أَيْ صَنَعَهُنَّ وَأَوْجَدَهُنَّ، كَقَوْلِ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أَوْ صَنِعُ السَّوَابِغِ تبع
وَعَلَى هَذَا انْتَصَبَ سَبْعَ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: مَفْعُولٌ ثَانٍ، كَأَنَّهُ ضَمَّنَ قَضَّاهُنَّ مَعْنَى صَيَّرَهُنَّ فَعَدَّاهُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مبهما مفسرا سبع سموات عَلَى التَّمْيِيزِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ مُبْهَمًا، لَيْسَ عَائِدًا عَلَى السَّمَاءِ، لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، بِخِلَافِ الْحَالِ أَوِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ عَائِدٌ عَلَى السَّمَاءِ عَلَى الْمَعْنَى.
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَأَوْحَى إِلَى سُكَّانِهَا وَعَمَرَتِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَيْهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا مَا شَاءَ تَعَالَى مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي هي قوامها وصلاحها، وقال السُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ بِغَيْرِهَا مِثْلَ مَا فِيهَا مِنْ جِبَالِ الْبَرْدِ وَنَحْوِهَا، وَأَضَافَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِيهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَمَرَهَا مَا أَمَرَ بِهِ فِيهَا وَدَبَّرَهُ مِنْ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّيِّرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَحِفْظاً: أَيْ وَحَفَّظْنَاهَا حِفْظًا مِنْ الْمُسْتَرِقَةِ بِالثَّوَاقِبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلَى الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قَالَ: وَخَلَقْنَا الْمَصَابِيحَ زِينَةً وَحِفْظًا انْتَهَى. وَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الثَّانِي، وَتَكَلُّفِهِ مَعَ ظُهُورِ الْأَوَّلِ وَسُهُولَتِهِ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، أَيْ أَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وَعِزِّهِ وَعِلْمِهِ.
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ، فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ
(١) سورة الرعد: ١٣/ ٢.(٢) سورة الرعد: ١٣/ ٣.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.