مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ لَهُ عِنْدَ مَا عُلِمَ مِنْ تَرْتِيبِ التَّعَلُّمِ أَيْ عَلَّمْتَنِي مَآرِبَ لَطِيفَةً فِي بَابِ التَّعَلُّمِ وَأَدَبًا جَمِيلًا مَا كَانَ عِنْدِي، فَزِدْنِي عِلْمًا. وَقِيلَ: مَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى.
تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ آدَمَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ وَالْحِجْرِ وَالْكَهْفِ، ثم ذكر هاهنا لِمَا تَقَدَّمَ كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ مَا قَدْ سَبَقَ «١» كَانَ مِنْ هَذَا الْإِنْبَاءِ قِصَّةُ آدَمَ لِيَتَحَفَّظَ بَنُوهُ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَيَتَنَبَّهُوا عَلَى غَوَائِلِهِ، وَمَنْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ مِنْهُمْ ذُكِّرَ بِمَا جَرَى لِأَبِيهِ آدَمَ مَعَهُ وَأَنَّهُ أُوضِحَتْ لَهُ عَدَاوَتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ نَسِيَ مَا عَهِدَ إِلَيْهِ رَبُّهُ وَأَيْضًا لَمَّا أُمِرَ بِأَنْ يَقُولَ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «٢» كَانَ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ فِيهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهَا، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَزِيدُ عِلْمٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْعَهْدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْوَصِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفَ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ تَقْدِيرُهُ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صُرِفَ لَهُمْ مِنَ الْوَعِيدِ فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَهُمُ النَّاقِضُو عَهْدِ اللَّهِ وَالتَّارِكُو الْإِيمَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ:
مِنْ قَبْلِ الرَّسُولُ وَالْقُرْآنُ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى أَنْ يُعْرِضَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ عَنْ آيَاتِي وَيُخَالِفُوا رُسُلِي وَيُطِيعُوا إِبْلِيسَ، فَقِدَمًا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُوهُمْ آدَمَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ آدَمَ مِثَالًا لِلْكُفَّارِ الْجَاحِدِينَ بِاللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا عَصَى بِتَأْوِيلٍ فَفِي هَذَا غَضَاضَتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ قِصَصٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا
(١) سورة طه: ٢٠/ ٩٩.(٢) سورة طه: ٢٠/ ١١٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.