شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْعَبَّاسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ وَكَانَ أَصْحَابُهُ الْحَنَابِلَةُ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ بِالْخَضِرِ.
قالَ لَهُ مُوسى فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمَّا الْتَقَيَا وَتَرَاجَعَا الْكَلَامَ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْعَالِمِ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الرِّحْلَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَعَلَى حُسْنِ التَّلَطُّفِ وَالِاسْتِنْزَالِ وَالْأَدَبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. بِقَوْلِهِ هَلْ أَتَّبِعُكَ وَفِيهِ الْمُسَافَرَةُ مَعَ الْعَالِمِ لِاقْتِبَاسِ فَوَائِدِهِ، وَالْمَعْنَى هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ وَيَتَّفِقُ لَكَ وَانْتَصَبَ رُشْداً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ تُعَلِّمَنِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي أَتَّبِعُكَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عِلْماً ذَا رُشْدٍ أُرْشَدُ بِهِ فِي دِينِي، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: أَمَا دَلَّتْ حَاجَتُهُ إِلَى التَّعَلُّمِ مِنْ آخَرَ فِي عَهْدِهِ أَنَّهُ كَمَا قِيلَ مُوسَى بْنُ مِيشَا لَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَإِمَامَهُمُ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الدِّينِ؟ قُلْتُ:
لَا غَضَاضَةَ بِالنَّبِيِّ فِي أَخْذِ الْعِلْمِ مِنْ نَبِيٍّ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَغُضُّ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ دُونَهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نُوفًا ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِصَاحِبِ مُوسَى، وَأَنَّ مُوسَى هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو بَحْرِيَّةَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ مُنَاذِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْيَزِيدِيُّ رُشْداً بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ، وَنَفَى الْخَضِرُ اسْتِطَاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَأَنَّهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى أُمُورًا هِيَ فِي ظَاهِرِهَا يُنْكِرُهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَكَيْفَ النَّبِيُّ فَلَا يَتَمَالَكُ أَنْ يَشْمَئِزَّ لِذَلِكَ، وَيُبَادِرَ بِالْإِنْكَارِ وَكَيْفَ تَصْبِرُ أَيْ إِنَّ صَبْرَكَ عَلَى مَا لَا خِبْرَةَ لَكَ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ، وَفِيهِ إِبْدَاءُ عُذْرٍ لَهُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ لِمَا يَرَى مِنْ مُنَافَاةِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ شَرِيعَتِهِ. وَانْتَصَبَ خُبْراً عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ مِمَّا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرُكَ فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ لِأَنَّ مَعْنَى بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ لَمْ تُخْبَرْهُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ هُرْمُزَ خُبْراً بِضَمِّ الْبَاءِ.
قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَعَدَهُ بِوِجْدَانِهِ صابِراً وَقَرَنَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عِلْمًا مِنْهُ بِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَصُعُوبَتِهِ، إِذْ لَا يَصْبِرُ إِلَّا عَلَى مَا يُنَافِي ما هو عليه إذ رَآهُ وَلا أَعْصِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى صابِراً أَيْ صابِراً وَغَيْرَ عَاصٍ فَيَكُونُ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.