يَبْعَثَ رَسُولًا إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِعَادٍ وَثَمُودَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً، كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةَ إِهْلَاكِهِمْ وَهِيَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَادِي عَلَى الْفَسَادِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِذا أَرَدْنا
وَقْتَ إِهْلَاكِ قَوْمٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ زَمَانِ إِهْلَاكِهِمْ إِلَّا قَلِيلٌ انْتَهَى. فَتُؤَوَّلُ أَرَدْنا
عَلَى مَعْنَى دَنَا وَقْتُ إِهْلَاكِهِمْ وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَمَرْنَا، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النَّهْيِ، وَاخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِهِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا وَفَسَقُوا. وَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ أَمَرْنَاهُمْ بِالْفِسْقِ فَفَسَقُوا وَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَقَالَ:
أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْفِسْقِ فَفَعَلُوا، وَالْأَمْرُ مَجَازٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ بِالْفِسْقِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ افْسُقُوا وَهَذَا لَا يَكُونُ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا، وَوَجْهُ الْمَجَازِ أَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ صَبًّا فَجَعَلُوهَا ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعَاصِي وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، فَكَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ لِتَسَبُّبِ إِيلَاءِ النِّعْمَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا خَوَّلَهُمْ إِيَّاهَا لِيَشْكُرُوا وَيَعْمَلُوا فِيهَا الْخَيْرَ وَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْبِرِّ كَمَا خَلَقَهُمْ أَصِحَّاءَ أَقْوِيَاءَ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ إِيثَارَ الطَّاعَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَآثَرُوا الْفُسُوقَ فَلَمَّا فَسَقُوا حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَدَمَّرَهُمْ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا زَعَمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَفَسَقُوا؟ قُلْتُ: لِأَنَّ حَذْفَ مَا لَا دليل عليه غير جائز فَكَيْفَ يُحْذَفُ مَا الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى نَقِيضِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّ فَسَقُوا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَفِيضٌ.
يُقَالُ: أَمَرْتُهُ فَقَامَ وَأَمَرْتُهُ فَقَرَأَ، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ قِيَامٌ أَوْ قِرَاءَةٌ، وَلَوْ ذَهَبْتَ تُقَدِّرُ غَيْرَهُ فَقَدْ رُمْتَ مِنْ مُخَاطِبِكَ عِلْمَ الْغَيْبِ وَلَا يَلْزَمُ هَذَا قَوْلَهُمْ أَمَرْتُهُ فَعَصَانِي أَوْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرِي لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلْأَمْرِ مُنَاقِضٌ لَهُ، وَلَا يَكُونُ مَا يُنَاقِضُ الْأَمْرَ مَأْمُورًا بِهِ، فَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُقْصَدَ أَصْلًا حَتَّى يُجْعَلَ دَالًّا عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، فَكَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ غَيْرَ مَدْلُولٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.