أى فعل- سبحانه- ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أى: ثابتا في علمه وحكمته، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى أحد سواه، فإن كل شيء عنده بمقدار، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شيء إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله- تعالى-: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مكرر مع ما سبق، لأننا نقول: إن المقصود من ذكره أولا- في قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا.. هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة «٣» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب تصويري بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرة الله، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.
وبعد هذا التذكير النافع، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر، وجه- سبحانه- في هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير، حيث أمرهم بالثبات في وجه أعدائهم، وبالمداومة على ذكره وطاعته..، ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال- تعالى-:
(١) سورة آل عمران الآية ١٣. (٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٢٥. [.....] (٣) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٣٠١٠.