فِي «الْمُغْنِي» : وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَلَّا يَجِبَ الْحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ ; وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَعْجَمِيٍّ: إِنَّكَ عَرَبِيٌّ، وَلَوْ قَالَ لِلْعَرَبِيِّ: أَنْتَ نَبَطِيٌّ أَوْ فَارِسِيٌّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّكَ نَبَطِيُّ اللِّسَانِ أَوِ الطَّبْعِ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ كَمَا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ احْتِمَالًا كَثِيرًا فَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إِلَيْهِ، وَمَتَى فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ فَهُوَ قَاذِفٌ، اهـ مِنَ «الْمُغْنِي» .
وَإِذَا عَرَفْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِيهَا نُصُوصٌ مِنَ الْوَحْيِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا احْتَمَلَ غَيْرَ الْقَذْفِ مِنْ ذَلِكَ لَا يُحَدُّ صَاحِبُهُ ; لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَاحْتِمَالُ الْكَلَامِ غَيْرَ الْقَذْفِ لَا يَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي» : أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ يَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا لَيْسَتْ مِنْ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ» ، اهـ، وَانْظُرْ إِسْنَادَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: فِي أَحْكَامِ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا قَرْنَانُ، أَوْ يَا دَيُّوثُ، أَوْ يَا كَشْخَانُ، أَوْ يَا قَرْطَبَانُ، أَوْ يَا مَعْفُوجُ، أَوْ يَا قَوَّادُ، أَوْ يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ، أَوْ يَا ابْنَ ذَاتِ الرَّايَاتِ، أَوْ يَا مُخَنَّثُ، أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا قَحْبَةُ.
اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: هُوَ أَنْ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا قَرْنَانُ، لَزِمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ لِزَوْجَتِهِ إِنْ طَلَبَتْهُ ; لِأَنَّ الْقَرْنَانَ عِنْدَ النَّاسِ زَوْجُ الْفَاعِلَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَا قَحْبَةُ، لَزِمَهُ الْحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ، أَوْ يَا ابْنَ ذَاتِ الرَّايَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، قَالُوا: لِأَنَّ الزَّانِيَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تُنْزِلُ الرُّكْبَانَ، وَتَجْعَلُ عَلَى بَابِهَا رَايَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: يَا مُخَنَّثُ، لَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ أُدِّبَ، وَلَمْ يُحَدَّ. قَالَهُ فِي «الْمُدَوَّنَةِ» ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ، أَوْ يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ يَا فَاجِرُ أَوْ يَا حِمَارُ ابْنَ الْحِمَارِ، أَوْ يَا كَلْبُ، أَوْ يَا ثَوْرُ، أَوْ يَا خِنْزِيرُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا رَادِعًا حَسْبَمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: يَا فَاسِقُ، يَا كَافِرُ، يَا خَبِيثُ، يَا لِصُّ، يَا فَاجِرُ، يَا مُنَافِقُ، يَا لُوطِيُّ، يَا مَنْ يَلْعَبُ بِالصِّبْيَانِ، يَا آكِلَ الرِّبَا، يَا شَارِبَ الْخَمْرِ، يَا دَيُّوثُ، يَا مُخَنَّثُ، يَا خَائِنُ، يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ، يَا زِنْدِيقُ، يَا قَرْطَبَانُ، يَا مَأْوَى الزَّوَانِي أَوِ اللُّصُوصِ، يَا حَرَامُ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.