أَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ تَشَقَّقَتْ أَرْجُلُهُمْ فَقَالَ: ادْهِنُوهَا. وَفَرْقَدٌ الْمَذْكُورُ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ، هُوَ فَرْقَدُ بْنُ يَعْقُوبَ السَّبَخِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ: أَبُو يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ. وَلَكِنَّهُ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» : صَدُوقٌ عَابِدٌ، لَكِنَّهُ لَيِّنُ الْحَدِيثِ كَثِيرُ الْخَطَأِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ الزَّاهِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادَّهَنَ بِزَيْتٍ غَيْرِ مُقَتَّتٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَفَرْقَدٌ غَيْرُ قَوِيٍّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فَرْقَدٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَقَوْلُهُ: غَيْرِ مُقَتَّتٍ: أَيْ غَيْرِ مُطَيَّبٍ انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَفِي «الْقَامُوسِ» : وَزَيْتٌ مُقَتَّتٌ طُبِخَ بِالرَّيَاحِينِ أَوْ خُلِطَ بِأَدْهَانٍ طَيِّبَةٍ، وَاحْتِجَاجُ الشَّافِعِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى جَوَازِ دَهْنِ جَمِيعِ الْبَدَنِ غَيْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِمَا فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ، لِضَعْفِ فَرْقَدٍ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَبَيْنِ سَائِرِ الْبَدَنِ ; لِأَنَّ الِادِّهَانَ فِيهِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِمَا سِوَى الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، اهـ.
وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ الِادِّهَانَ بِغَيْرِ الطِّيبِ ; لِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّعَثَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُوا شُعْثًا غُبْرًا» وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِزَالَةُ الشَّعَثِ، وَلَا التَّنْظِيفُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ. قَالَ: وَأَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَهُ دَهْنُ بَدَنِهِ بِالزَّيْتِ وَالشَّحْمِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: الْحِنَّاءُ لَيْسَ بِطِيبٍ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ: وَلَا فِدْيَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْخِضَابَ بِالْحِنَّاءِ: يُوجِبُ الْفِدْيَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ طِيبٌ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ، وَإِذَا لَبِسَ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا: فَلَا فِدْيَةَ، وَالْعُصْفُرُ: لَيْسَ بِطِيبٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.