فِيهِ، فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَاسْتَأْنَسَ بَعْضُهُمْ لِطَهَارَةِ الْخَبَثِ لِلطَّوَافِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ الْآيَةَ [٢٢ \ ٢٦] ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالطَّهَارَةِ لِلطَّائِفِينَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ قَالُوا: بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ لِلطَّوَافِ، وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَمْ يَشْتَرِطِ الطَّهَارَةَ، وَلَا سَتْرَ الْعَوْرَةِ لِلطَّوَافِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ حُجَّتَهُ فِي ذَلِكَ هِيَ قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي أُصُولِهِ تَرَكَ مِنْ أَجْلِهَا الْعَمَلَ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتِلْكَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي تَرَكَ مِنْ أَجْلِهَا الْعَمَلَ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مُتَرَكِّبَةٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ لَا تُنْسَخُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [٢٢ \ ٢٩] وَهُوَ نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ، فَلَوْ زِدْنَا عَلَى الطَّوَافِ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ، وَالسَّتْرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ، وَأَخْبَارُهَا أَخْبَارُ آحَادٍ فَلَا تَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ الَّذِي هُوَ الْآيَةُ، وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِتَغْرِيبِ الزَّانِي الْبِكْرِ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ أَخْبَارُ آحَادٍ، وَزِيَادَةُ التَّغْرِيبِ عَلَى قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآيَةَ [٢٤] نَسْخٌ لَهُ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ، فَلَا يُنْسَخُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَقُلْ بِثُبُوتِ الْمَالِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ الْآيَةَ [٢ \ ٢٨٢] وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَالْمُتَوَاتِرُ لَا يُنْسَخُ بِالْآحَادِ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ هُوَ التَّفْصِيلُ. فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَثْبَتَتْ شَيْئًا نَفَاهُ الْمُتَوَاتِرُ، أَوْ نَفَتْ شَيْئًا أَثْبَتَهُ، فَهِيَ نَسْخٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ زِيدَ فِيهَا شَيْءٌ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ النَّصُّ الْمُتَوَاتِرُ، فَهِيَ زِيَادَةُ شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ لَمْ تَرْفَعْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا رَفَعَتِ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْإِبَاحَةُ الْعَقْلِيَّةُ، وَرَفْعُهَا لَيْسَ بِنَسْخٍ.
مِثَالُ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ نَسْخٌ عَلَى التَّحْقِيقِ: زِيَادَةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِالْقُرْآنِ، وَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [٦ \ ١٤٥] فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَمْ تَسْكُتْ عَنْ إِبَاحَةِ الْخَمْرِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.