هذا هو حال الأنفس البَشريَّة في كلِّ زمانٍ، كامِنٌ فيها الشَّر لا محالة، سابحٌ بين جَنَباتِها هَواها كلٌّ منها بحسَبِه، يحبِسُها عن إظهارِه: الفِطرةُ، والدِّين، وخَشيةُ النَّاس؛ فإذا ما غَلَبها هَواها، وأمِنَت معه عقوبةَ السُّلطان: تَشَجَّعَت بالبَوْحِ بشرِّها الكامن، وجهرت بالدَّعوة إليه.
إنَّ مَن يَقرأْ تاريخَ المَذاهِب والنِّحَل قراءةَ مُقارِن، يُدرِكْ أنَّ كلَّ ضَلالةٍ هوَّشَ بها هؤلاء (المُفكِّرون) المُتأخِّرون، أصلُها أو مِثلُها كانت في السَّابقين؛ تَعَلَّقت بالإسلامِ كما يَتَعلَّق قَذَى الأرضِ بالعَجَلةِ، ثمَّ تَطويه بسَيْرِها.
لقد قَيَّد الشِّهرستانيُّ (ت ٥٨٤ هـ)(٢) لحْظَه لهذه العُلقةِ الفكريَّةِ قديمًا بين ما أُحدِث مِن مُعارَضاتٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ في زَمنِه، وأصولِ المَقالاتِ المُبكِّرة في
(١) «صفحات من صبر العلماء» لعبد الفتاح أبو غدَّة (ص/١٠٩). (٢) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: إمام في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، من أشهر كُتبه «الملل والنحل»، انظر «تاريخ الإسلام» (١١/ ٩٤١).