تقدمت الإشارة – أيضاً – إلى شدة خوفه، بحيث كان يسأل حذيفة بن اليمان وأمنا أم سلمة عن نفسه – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –،ويقول: هل سماني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من المنافقين؟ وقد بلغت به شدة الخوف مبلغاً عظيماً، حتى صار في وجهه المبارك خطان أسودان من كثرة البكاء خشية للرحمن، وسأقتصر أيضاً على خبرين من أخباره المتواترة، الدالة على شدة وجله مما يكون في الدار الآخرة، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – أخذ تينة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التينة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني ليتني لم أك شيئاً، ليتني كنت نسياً منسيا (١) . وهذا القول كقول سابقه أبي بكر –رضي الله تعالى عنهما –، فلما ظهرت القلوب، تماثلت الأقوال في الدلالة على الخوف من علام الغيوب.
وكان – رضي الله تعالى عنه – شديد المحاسبة لنفسه، ليحظى برضوان ربه، وكان يحث الرعية للاتصاف بتلك الرتبة العلية قال ثابت بن حجاج قال عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه –: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب إذا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (٢) .
(١) انظر إحياء الأثر في صفة الصفوة: (١/٢٨٥) ، وتاريخ عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه –: (١٨٧) وإحياء علوم الدين: (٤/١٨٠) . (٢) انظره في الزهد لابن المبارك: (١٠٣) ، والزهد للإمام أحمد: (١٢٠) وسنن الترمذي – كتاب صفة القيامة –: (٧/١٦٦) ، ويروي..... فذكره، وقوت القلوب: (١/١٥٧) ، وحلية الأولياء: (١/٥٢) والإحياء: (٤/٣٩١) ، وصفة الصفوة: (١/٢٨٦) ، وتاريخ عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه –: (٢٠١) ، وذم الهوى: (٤٠) ، والمصباح المضيء: (١/٣٥٣، ٢/٧) ، وأسد الغابة: (٤/١٧٢) ، ومختصر القاصدين: (٤٠١) ، ومحاضرة الأبرار لمن هو من الأشرار: (١/١٣٦) .