ولا تظن أخي المبارك أن سلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – تعلقت همته بالدنيا، وتعدى حدود الشرع المطهر، فهو من الزهاد، والعباد، الذين يعدون العدة ليوم التناد، فما قال ما قال إلا تواضعاً لذي العزة والجلال، ورهبة من الكبير المتعال، وكل ما تركه – رحمه الله ورضي عنه – بضعة وعشرين درهماً، وأمتعة قومت بأربعة عشر أو خمسة عشر درهماً، هذا وهو أمير المدائن وتحت إمرته زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين، وعطاؤه خمسة آلاف درهم، وما انتفع منه بدرهم في مصالحه العاجلة، إنما كان ينفقه كله طلباً لرضوان الله في الحياة الآجلة، ويعيش من عمل يده (١) .
(١) انظر سنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب الزهد في الدنيا –: (٢/١٣٧٤-١٣٧٥) قال المنذري في الترغيب والترهيب: (٤/١٦٨) ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده، وانظره في المستدرك – كتاب الرقاق –: (٤/٣١٧) ، وقال الحاكم: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، صحيح ابن حبان – موارد الظمآن – كتاب الزهد – باب ما يكفي من الدنيا –: (٦١٤) ، وكتاب الزهد للإمام أحمد: (٢٨-١٥٢) ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن يحيى بن الجعد وهو ثقة كما في مجمع الزوائد: (١٠/٢٥٤) ، وحلية الأولياء: (١/١٩٥-١٩٧) . هذا وقد ورد تسمية القائل لسلمان بسعد في رواية ابن ماجه، والحاكم، وأبي نعيم في الحلية، وورد تسمية القائل في رواية الطبراني، وأبي نعيم أيضاً، وورد عند أبي نعيم أيضاً ضم عبد الله ابن مسعود إلى سعد وورد التنصيص على كون ابن مسعود قال ذلك لسلمان في طبقات خليقة بن خياط كما في الإصابة: (٢/٦٣) ، وعند ابن حبان وأبي نعيم أيضاً نسبة القول لن حضر دون تسمية أعيانهم – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –. والذي يظهر لي – والله أعلم – أن كل من تقدم ذكرهم قالوا له ذلك وكان ذلك في أوقات مختلفة حسب مجيء المرض لسلمان، ويدل على هذا أمران:
الأول: موت ابن مسعود سنة ثلاث وثلاثين قبل سلمان وبثلاث سنين – رضي الله تعالى عنهم. الثاني: ما ورد في الحلية: (١/٢٠٨) ، أن سلمان قال لامرأته افتحي أبواب العلية، فإن لي اليوم زواراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليّ، ثم دعا بمسك، وقال لزوجه، انضحيه حول فراشي، ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي، فاطلعت فإذا هو قد أخذ روحه كأنه نائم على فراشه – رضي الله تعالى عنه –. هذا وقد ورد في رواية ابن ماجه عن ثابت قال: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهماً من نفقة كانت عنده، وفي الحلية عن الحسن وحميد قوم متاعه فبلغ نحواً من عشرين درهماً، وفي صحيح ابن حبان، والحلية: فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر درهماً، قال أبو نعيم: وقال عامر بن عبد الله ديناراً واتق الباقون على بضعة عشر درهماً وفي رواية الطبراني والحلية عن علي ابن بذيمة قال: بيع متاع سلمان فبلغ أربعة عشر درهماً قال الهيثمي في المجمع: (١٠/٢٥٤) ، وإسناده جيد غلا أن علي بن بذيمة لم يدرك سلمان فإن كانت تركته تأخرت فهو متصل، ونحوه في الترغيب والترهيب: (٤/٢٢٥) ، والذي يظهر أنه ترك بضعة وعشرون درهماً وأمتعة قومت دون عشرين درهماً والله أعلم. وسلمان الفارسي يقال له سلمان بن الإسلام، وسلمان الخير، عاش على الراجح أزيد من خمسين ومائتي سنة، كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث، ضحكت من مأمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمسخط ربه أم مرضيه، وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه – صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الطاهرين – وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة، انظر ذلك وغيره من ترجمته العطرة المباركة في الحلية: (١/١٨٥-٢٠٨) ، وصفة الصفوة: (١/٥٢٣-٥٥٦) ، والإصابة: (٢/٦٢-٦٣) القسم الأول من حرف السين، وأسد الغابة: (../٤١٧-٤٢١) ، وشذرات الذهب: (١/٤٤) والمعارف: (١١٧) ، وطبقات ابن سعد: (٦/١٦-١٧) .