.. وقد شوهد من أحوال المتعلقين بالدنيا عند الاحتضار، ما يدعو العاقل للزهادة في هذه الدار، وتعليق الهمة بدار القرار، قال الغزالي في الإحياء – عليه رحمة رب الأرض والسماء –: إن المرء يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة، فيقول: خمسة ستة أربعة، فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له قبل الموت (١) . وقد حدثني بعض الصالحين أنه حضر موت جار له، فلقنه كلمة التوحيد، فأجابه بقوله: القفل بليرتين، القفل بليرتين، ثم خرجت روحه، ومثل هذا كثير كثير، فنسأل الله الثبات عند الممات.
... واعلم أن صاحب التعلق بالدنيا إذا وصل تعلقه بها إلى درجة العبودية الخالصة لها بحيث جعلها غايته الأولى، ولم يأخذ من دين الله – جل وعلا – إلا بما لا يتعارض معها، فهو في صف الكافرين، وإن زعم أنه من المؤمنين، وسيختم له بما يسود وجهه عند رب العالمين، ويصليه العذاب الأليم، كما قال ربنا العظيم:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} محمد١٢.
(١) انظر الإحياء: (٤/١٧٥) ، وقد ثبت عن نبينا – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "من مات على شيء بعثه الله عليه"، رواه الحاكم في المستدرك – كتاب الرقاق –: (٤/٣١٣) ، وأحمد في المسند: (٣/٣١٤) ورواه أبو يعلى، والضياء المقدسي في المختارة كما في الجامع الكبير: (١/٨٣٥) كلهم عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – مرفوعاً، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، وأقره الذهبي.