قال أبو حبان – عليه رحمة ربنا الرحمن –: ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تستر بالإسلام ظاهراً وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة، ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة، وعدد أبو حبان طائفة من أعيانهم منهم ابن عربي، وابن الفارض ثم قال: وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله – عز وجل – يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين ولحذروا فهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون الله – تبارك وتعالى – ورسله – عليهم الصلاة والسلام – ويقولون بقدم العالم، وينكرون البعث، وقد أولع جهلة ممن ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء، وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياءه (١) .
(١) انظر البحر المحيط: (٣/٤٤٩) ، وانظر ما أنشده الزائغ التائه الزنديق ابن الفارض في مجموع الفتاوى: (٢/٢٤٦) ، وفيه: حدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلم عن الشيخ إبراهيم الجعبري أنه حضر ابن الفارض عند الموت، وهو ينشد، فذكر البيتين، ثم قال الشيخ ابن تيمية: وحدثني الفاضل تاج الدين بن الزنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران ويقولان: كيف الطريق؟، وكرر الإمام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى – ذكر البيتين المتقدمين ففي مجموع الفتاوى أيضاً: (٤/٧٣-٧٤) : وابن الفارض من متأخري الاتحادية صاحب القصيدة التائهة المعروفة: "بنظم السلوك" وقد نظم فيها الاتحاد نظماً رائق اللفظ، فهو أخبث من لحكم جنزير في صينية من ذهب، وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك.... ولما حضرته الوفاة أنشد....
وابن الفارض هو عمر بن على الهالك سنة اثنتين وثلاثين وست مائة قبل ابن عربي بست سنتين وكل (وكل) منهما دجال مأفون ينعق بالاتحاد الملعون قال الإمام ابن حجر – عليه رحمة الله تعالى – في لسان الميزان: (٤/٣١٨) في ترجمة ابن الفارض: وقد كنت سألت شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني عن ابن عربي، فبادر الجواب بأنه كافر فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحب أن أتكلم فيه قلت: فما الفرق بينهما، والموضع واحد؟ وأنشدته من التائهة، فقطع عليّ بعد إنشاد عدة أبيات بقوله: هذا كفر، هذا كفر. وقد تقدم في هذا الكتاب المبارك بيان حال الضال ابن عربي: (.......) وهذا – ابن الفارض – صورة طبق الأصل له، وتشابهت قلوبهم، فتشابهت أحوالهم وكتبهم فكتاب فصوص الحكم لابن عربي ليس فيه إلا تكرار نغمة الاتحاد الفاحشة الموحشة كما قال شيخ الإسلام مصطفى صبري – عليه رحمة الله تعالى – في كتاب موقف العقل: (١/٩٤) ، وكتاب الفتوحات لابن عربي يقول عنه الشيخ مصطفى صبري في الكتاب المتقدم: (٣/٢٨٥) نقلاً عن كتاب العلم الشامخ: (٤٥٦) : إذا حققت وأنصفت وعندك توفيق وللكتاب والسنة عندك قيمة، ونظرت بعدها في كتب الفلاسفة والمنجمين والباطنية وأهل الخواص والسحر بأنواعه تجد ذرية بعضها من بعض فإن أحببت كتاباً ينوب عن الجميع فالفتوحات لابن عربي ١٠هـ ولذلك قال عنه أبو حبان في البحر: (٦/١٥٦) ينبغي أن يسمى كتاب الفتوح المكية بالقبوح الهلكية، وفي: (٥/١٧٥) وتعوذ أبو حبان بالرحمن مما جاء في ذلك الكتاب من الهذيان، وقد أطال أئمة الإسلام الكرام في التحذير من ابن الفارض ذي الخسران، وبيان ما في كتبه من شنيع الضلالات والآثم، وقد أورد ابن حجر في اللسان: (٤/٣١٧-٣١٨) اثني عشر بيتاً مما قاله ابن الفارض في قصيدته التائهة التي وسوس له بها الشيطان، ثم قال الإمام ابن حجر: وفي قصائده من هذا النمط فيما يتعلق بالاتحاد شيء كثير، وقال الذهبي في الميزان: (٣/٢١٤-٢١٥) ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة فتدبر ولا تستعجل، ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثم إلى زي الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزي والعبارة فلسفة وأفاعي، فقد نصحتك، والله الموعد. ونقل الإمام البقاعي في كتابه مصرع التصوف المسمى أيضاً بتنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي في صفحة: (٢١٤-٢١٧) عن أربعين عالماً رموه بالزندقة، وهم من دعائم الدين من عصر ابن الفارض إلى عصر الإمام البقاعي المتوفى: (٨٨٥) – عليه رحمة الله تعالى – وختم الكلام بقوله: فقد صارت نسبة العلماء له إلى الكفر متواترة تواتراً معنوياً، ثم تتبع في الصفحات التالية ما في القصيدة التائهة من أمور كفرية، وقد زادت تلك القصيدة على سبعمائة بيت. وبذلك تعلم أيها المسترشد المهتدي – هداني الله وإياك صراطه المستقيم – أن ما جاء في شذرات الذهب: (٥/١٥٢) من أن الشيخ عبد الرؤوف المناوي قرر في طبقات الصوفية له وجوب اعتقاد رفعة منزلة ابن عربي وابن الفارض ومن على شاكلتهما، ولزوم تعظيمهم، مع تحريم النظر في كتبهم على من لم يصل لدرجتهم، كلام باطل ظاهر السقوط، وليس هو إلا صرير باب أو طنين ذباب، فاحترسوا من ذلك التباب يا أولي الألباب. واعلم أخي في الإيمان أنه لا يحسن القول في أولئك الزنادقة اللئام، إلا صنفان: أ) عتاة من أتباع الشيطان، وهم في دركة أولئك في الضلال والكفران. ب) لا يعلمون أحوالهم العلم التام، وينخدعون بانتساب أولئك للإسلام. فالصنف الأول غواة، والصنف الثاني لا يعول على أقوالهم عند الهداة، وإلا فقل لي بربك – جل جلاله – ما الذي حملهم على إظهار الكفر وإبطان الإيمان وهم في دار الإسلام؟ قال الإمام ابن الجوزي: في المنتظم: (٨/١٨٥) ، ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل – عليهم جميعاً رحمة الله الجليل – أنه قال من العجائب أن المعري أظهر من الكفر البارد، الذي لا تبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصر فيه كل التقصير، وسقط من عيون الكل، ثم اعتذر بأن لقوله باطناً، وأنه مسلم في الباطن، فلا عقل له ولا دين، لأنه تظاهر بالكفر، وزعم أنه مسلم في الباطن، وهذا عكس قضايا المنافقين والزنادقة حيث تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتى يحتاج إلى أن يبطن الإسلام فلا أسخف عقلاً ممن سلك هذه الطريقة التي هي أخس من طريقة الزنادقة والمنافقين إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة لا هلاكها في الدنيا حين طعن في الإسلام في بلاد الإسلام، وأبطن الكفر، وأهلك نفسه في المعاد، فلا عقل له، ولا دين ١٠هـ وقد تقدمت في هذا الكتاب المبارك ترجمة الزنديق الغوي أبي العلاء المعري: (......) فاحذر تلك الوساوس يا من نور الله قلبه بالإيمان، وليعظم غضبك عندها إجلالاً للملك الرحمن، وحذار حذار من مسلك المنافقين الذين يحيلون عند حقوق رب العالمين، ومن أجل حظوظهم يخاصمون الخلق أجمعين – جعلنا الله بمنه وكرمه ممن يعظمه حق تعظيمه، ويتقيه حق تقاته، ويحب ويبغض فيه، ويعادي ويسالم من أجله إنه سميع الدعاء....