وتكرر هذا النكير من الصحابة الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – ففي المسند عن أم الدرداء – رضي الله تعالى عنها – قالت: دخل علي أبو الدرداء – رضي الله تعالى عنهما – وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد – صلى الله عليه وسلم – شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً.
وتكرر أيضاً من كبار التابعين – عليهم رحمة رب العالمين – ففي الموطأ عن مالك بن أبي عامر الأصبحي قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة (١) .
(١) انظر الرواية الأولى في المسند: (٦/٤٤٣) ، والثانية في الموطأ – كتاب الصلاة – باب ما جاء في النداء للصلاة –: (١/٧٢) ، ومالك بن أبي عامر من كبار التابعين روي عن عمر، وعثمان، وطلحة، وعقيل بن أبي طالب، وأبي هريرة وأمنا عائشة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ولذلك صنفه ابن حجر في التقريب: (٢/٢٢٥) في الطبقة الثانية، وهو ثقة، أخرج عنه الستة كما في تهذيب التهذيب: (١٠/١٩) . قال الباجي في شرح الموطأ: (١/١٣٨) قوله: ما أعرف شيئاً.... إلخ يريد الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – لأنه قد أنكر أكثر أفعال أهل عصره، ورأى أنها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة وذلك أن التغيير يمكن أن يلحق صفة الفعل كتأخير الصلاة عن أوقاتها، ويمكن أن يلحق الفعل جملة كترك الأمر بكثير من المعروف، والنهي عن كثير من المنكر مع علم الناس بذلك كله، وقوله: "إلا النداء" يريد أنه باق على ما كان عليه، ولو دخله تغيير لعرف الناس ذلك، ولعرفوا أول من غيره، فاتصل الخبر بالمدينة على ما كان عليه لم يدخله تغيير ولا تبديل، وفي شرح الزرقاني على الموطأ: (١/١٥٠) ، قال ابن عبد البر: فيه أن الأذان لم يتغير عما كان عليه، وكذا قال عطاء، ما أعلم تأذينهم اليوم يخالف تأذين من مضى، وفيه تغير الأحوال عما كانت عليه زمن الخلفاء الأربع – رضي الله تعالى عنهم – في أكثر الأشياء.