وإذا كنا نرى سلامة أنفسنا من النفاق الأول، ونحن منه سالمون بعون الله العظيم، فإن النفاق الثاني لي فيه درجة الراسخين، وإذا كان سلفنا الأبرار قد اتهموا أنفسهم بالنفاق تواضعاً من نفوسهم الكريمة وإجلالاً لربنا ذي الصفات العظيمة (١) ،
(١) كما ثبت في صحيح مسلم – كتاب التوبة – باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا: (٤/٢١٠٦) ، وسنن الترمذي – كتاب صفة القيامة – باب "٦٠": (٧/٢٠١-٢٠٢) ، وسنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب المداومة على العمل –: (٢/١٤١٦) ، والمسند: (٤/١٧٨، ٣٤٦) ، وهذا لفظ صحيح مسلم: عن حنظلة الأسيدي – وكان من كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: لقيني أبو بكر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونوا عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات.
وورد نحوه عن أنس بن مالك أن أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً – قالوا للنبي – صلى الله عليه وسلم – وذكر الحديث بنحو ما تقدم، وهو في المسند: (٣/١٧٥) ، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير زهير بن محمد الرازي وهو ثقة، ورواه أبو يعلى أيضاً كما في مجمع الزوائد: كتاب الزهد – باب ساعة وساعة –: (١٠/٣٠٨) ، وباب علامة البراءة من النفاق –: (١٠/٣١٠) وقال أيضاً الهيثمي: رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير غسان بن برزين وهو ثقة. وورد نحوه أيضاً من رواية أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قلنا يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا رأيناك رقت قلوبنا، وذكر الحديث بنحوه ما تقدم وفيه زيادة في آخره في وصف الجنة، وإجابة دعوة الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، والمظلوم، وهو في المسند: (٢/٣٠٤-٣٠٥) ، وسنن الترمذي – كتاب صفة الجنة – باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها –: (٨/٢١٠-٢١١) ، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدله عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ١٠هـ وقد أخرج الإمام أحمد الحديث من طريق الإسناد الآخر الذي أشار إليه الترمذي، وأخرجه من ذلك الطريق الحميدي أيضاً في مسنده ك (٢/٤٨٦) ، قال الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول: (١٠/٤٩٧، ١١/١٣) له طرق وشواهد يقوى بها، فهو حسن بشواهده، وفي حال سلفنا الأبرار يقال ما ذكره الغزالي في الإحياء: (٤/١٧٠) ، وقال بعضهم لبعض العارفين: إني أخاف على نفسي النفاق، فقال: لو كنت منافقاً لما خفت النفاق، والأثر رواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – كما في مجمع الزوائد – كتاب الإيمان – باب البراءة من النفاق: (١/١١٤) .