للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

.. وقال جل وعلا – في الإخبار عن حال الفجار، الذين نكثوا عهودهم مع العزيز القهار –: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١) }


(١) اعلم أخي – علمني الله وإياك – أن المعتمد في تفسير الآية الكريمة، الذي لا يصح القول بغيره أن الآية المباركة نازلة في منافقين لم يسموا، ولم تعلم أعيانهم، وقد وقعت حوادث ظاهرة لكثير من المكلفين، وتحدث عنها القرآن الكريم، ولم تعرف أعيان المقصودين، فما في هذه الآية الكريمة أولى، لأنها تتحدث عن أمر باطني، وهو نقض العهود مع الرب المعبود، ولا يطلع على ذلك إلا خالق الوجود، ولله – جل وعلا – في إخفاء تسميتهم حكم لا يعلمها إلا هو، وقد أخبر ربنا العظيم نبيه الكريم – صلى الله عليه وسلم – في نفس سورة التوبة أنه يوجد في أهل المدينة المنورة من مهر في النفاق، وليس عنده علم عما في قلوبهم من الشقاق، فغيره – صلى الله عليه وسلم – لا يعلم ذلك باتفاق، قال الله – جل وعلا –: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة١٠١، وسورة التوبة تكرر فيها: ومنهم، ومنهم وذلك هتكاً لسرائر المنافقين، لعلهم يتوبون إلى رب العالمين، ولذلك سميت بسورة الفاضحة، ثبت ذلك عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في صحيح البخاري – كتاب التفسير – أول سورة الحشر: (٨/٦٢٩) بشرح ابن حجر، وصحيح مسلم – كتاب التفسير – سورة الأنفاق وبراءة والحشر: (٤/٢٣٢٢) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –: سورة التوبة، قال: آلتوبة؟ بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحداً منهم إلا ذكر فيها، وقد اقتصر في عزو هذه الرواية في الدر المنثور: (٣/٢٠٨) إلى أبي عبيد وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وتبعه على ذلك الألوسي في روح المعاني: (١٠/٤٠) وهذا عجيب منهما فهو في الصحيحين فالعزو إليهما أولى وأقوى، وعزاه السيوطي في الإتقان: (١/٩٢) إلى البخاري فقط وقد علمت وجوده في الصحيحين، وقد ورد تسميتها بالفاضحة أيضاً عن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – عند أبي الشيخ كما في الدر والإتقان، وورد تسميتها بذلك أيضاً عن قتادة في تفسير ابن أبي حاتم كما في الإتقان في الأمكنة المتقدمة.
وأولئك المنافقون اللئام عاهدوا الملك العلام على مواساة فقراء الأنام، والاستقامة على هدي الإسلام، إذا أعطاهم ربنا شيئاً من الحطام، فلما أغدق عليهم ربنا – جل وعلا – صنوف الأموال مالوا عن طريق الاستقامة والاعتداء، ونقضوا عهودهم مع ذي العزة والجلال، فهم في تنفيذ ما عزموا عليه كاذبون، وعن الوفاء بعهدهم معرضون فجازاهم الحكم العدل من جنس ما يعلمون، وزادهم رجساً إلى رجسهم الملعون، وما ظلمهم الله وكلن كانوا أنفسهم يظلمون، وقد علم ربنا أنهم لن يقلعوا عن العصيان، وسيصحبهم الخذلان حتى لقاء الرحمن – جل وعلا – نقل الحصاص في أحكام القرآن: (٣/١٤٤) عن مجاهد – رحمه الله تعالى – أن الله – جل وعلا – حرمهم التوبة كما حرم إبليس.
فإن قيل: كيف اعتبرهم ربنا بالمال باخلين، مع أن الزكاة كانت تؤخذ من المنافقين؟
والجواب عن ذلك يا أخي في الدين: إن الزكاة وإن أخذت من الأموال الظاهرة كالأنعام والزروع والثمار وعروض التجارة، فالأموال الباطنة كالنقدين لا يعلم مقدارهما إلا صاحبهما، يضاف إلى هذا أن الزكاة فيهما موكولة إلى أصحابها، فالمنافقين وإن أخذ منهم زكاة الأموال الظاهرة فقد بخلوا بزكاة الأموال الباطنة، ويضاف إلى هذا أيضاً، أنه شتان شتان بين من يخرج زكاة ماله طيبة بها نفسه، وبين من يراها أنها جزية أو أخت الجزية، فهذا هو المعنى الصحيح للآية الكريمة، فاعلمه فعلم المرء بنفعه، والله – تبارك وتعالى – أعلم.
واعلم – سددك الله تعالى – أنه قد جرى في كثير من كتب التفسير تساهل كثير فيما يتعلق في بيان المعنيين بهذه الآية الكريمة، وكثرت منهم في ذلك الأقاويل، وليس لها أي اعتبار عند طالب العلم النحرير، لأنه ليس لها في ميزان النقد الجليل، وعلم الجرح والتعديل، [وزن كثير] وزن كثير أو قليل، وإليك خلاصة ذلك مع التحقيق الوفير، فاغتنمه واشكر الرب القدير
القول الأول:
وعليه اقتصر كثير من المفسرين منهم الواحدي في أسباب النزول: (١٧١-١٧٢) والوجيز في تفسير القرآن العزيز: (١/٣٤٨) ، والزمخشري في الكشاف: (٢/٢٠٣) والرازي في مفاتيح الغيب: (١٦/١٣٨) ، وابن جزي في التسهيل: (٢/١٨١) ، وابن كثير في تفسير: (٢/٣٧٣-٣٧٤) ، والثعالبي في الجواهر الحسان: (٢/١٤٣-١٤٤) ، والخطيب الشربيني في السراج المنير: (١/٦٣٤-٦٣٥) ، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: (٤/٨٥) ، والجمل في حاشيته على الجلالين: (٢/٣٠١-٣٠٢) ، والسيوطي في لباب النقول: (١٢٠/١٢١) ، والإتقان: (٤/٩٩) ، والدر المنثور: (٣/٢٦٠-٢٦١) ، وتكملة تفسير الجلال المحلى: (١٨٥) ، والقاسمي في محاسن التأويل: (٨/٣٢٠٨) ، والشوكاني في فتح القدير: (٢/٣٨٦) ، والسيد قطب في ظلال القرآن: (٣/١٦٨٠) ، وقال ابن العربي في أحكام القرآن: (٢/٩٨٠-٩٨١) عن هذا السبب: إنه أصح الروايات وهو حديث مشهور، وكذلك قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (٨/٢٠٨-٢١٠) ، والرازي في تفسيره: (١٦/١٣٨) وقال الألوسي في روح المعاني: (١٠/١٤٤) إنه الأشهر، وهو الصحيح.
وذكر ذلك الخبر في تفسير الآية الكريمة الطبري في جامع البيان: (١٠/١٣٠-١٣١) وهو في معالم التنزيل: (٣/١٢٤-١٢٦) ، وكتاب التأويل: (٣/١٢٥-١٢٦) ، وتفسير البيضاوي: (١/٣٥٣) ، والنسفي: (٢/١٠٠) ، وتفسير المراغي: (١٠/١٦٩) والتفسير الواضح: (٢/٧٤-٧٥) ، وتفسير ابن سعدي المسمى بتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: (٣/١٣٧) ،وصفوة التفاسير: (١/٥٥١) ، ومختصر تفسير ابن كثير: (٢/١٥٧-١٥٨) ، وكرر الرازي الاستشهاد به في عدة أماكن من تفسيره غير ما تقدم: (١٠/٢، ٢٨/٩١-٩٢) والبحر المحيط: (٥/٧٤) ، وروح البيان: (٣/٤٦٩-٤٧٠) ، وتفسير النيسابوري: (١٠/١٢٨-١٢٩) ، وورد الخبر في الإحياء: (٣/٢٦٤-٢٦٥) وتلبيس إبليس: (١٧٨، ١٨١) ، والتبصرة: (١/١٣٨) ، والاستبصار: (٢٨٠) ، والمنهاج في شعب الإيمان: (٢/٥١٤-٥١٦) ، وأطال الحليمي في توجيه الخبر، ولم يأت بطائل.
وهذا نص الخبر عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ادع الله أن يزقني مالاً، فقال – صلى الله عليه وسلم –: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه" قال أبو أمامة – رضي الله تعالى عنه – ثم قال ثعلبة مرة أخرى، فقال – صلى الله عليه وسلم –: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضة لسارت" فقال ثعلبة: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً، لأوتين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "اللهم ارزق ثعلبة مالاً" فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عنه، فأخبر خبره فقال: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة" وأنزل الله – جل وعلا –: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} التوبة١٠٣، ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلين على الصدقة، وكتب لهما كتاباً كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مروا بثعلبة، وبفلان – رجل من بني سليم – فخذا صدقاتهما" فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلى أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودوا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فاستقبلهما بخيار ماله، فقالا: لا يجب عليك هذا، فقال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذا منه، فلما فرغا من صدقاتهما مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلما رآهما، قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلمي، فأنزل الله – جل وعلا – في ثعلبة: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} التوبة إلى آخر الآيات وكان عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فأتى ثعلبة النبي – صلى الله عليه وسلم – وسأله أن يقبل منه صدقته، فقال – صلى الله عليه وسلم –: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك" فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال – صلى الله عليه وسلم –: "هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني" فرجع ثعلبة إلى منزله، وقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر – رضي الله تعالى عنه – حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر – رضي الله تعالى عنه –: لم يقبلها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر – رضي الله تعالى عنه – ولم يقبضها، فلما ولي عمر – رضي الله تعالى عنه – أتاه فقال: يا عمر اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك، فقبض ولم يقبلها، ثم ولي عثمان – رضي الله تعالى عنه – فأتاه فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أبو بكر ولا عمر، وأنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه وهلك ثعلبة في خلافة عثمان – رضي الله تعالى عنه–.
وهذا الخبر الوارد في سبب نزول الآية الكريمة، وفيه تعيين المراد بالذين عاهدوا الله – جل جلاله – ثم نقضوا عهدهم وأخلفوه بثعلبة بن حاطب باطل باطل، لا يقبله مسلم عاقل لعدة أمور، هاكها يا أخي الفاضل:
الأول:
الخبر مروي من طريق معان بن رفاعة السلمي عن أبي عبد الملك على بن يزيد الألهاني عن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي – رضي الله تعالى عنه –.
أما معان بن رفاعة السلمي فهو وإن وثقه على بن المديني ودحيم كما في تهذيب التهذيب: (١٠/٢٠١) فقد قال عنه ابن حبان في المجروحين: (٣/٣٦) منكر الحديث يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب على روايته ما تنكر القلوب استحق ترك الاحتجاج به، ونقل ابن حجر في تهذيب التهذيب تضعيفه عن ابن معين وقال الجوزجاني: ليس بحجة ١٠هـ.
والذي حط عليه كلام المحققين في أمره أنه لين الحديث بذلك حكم عليه يعقوب بن سفيان البسوي في المعرفة والتاريخ: (٢/٤٥١) ، وابن حجر في التقريب: (٢/٢٥٨) ، وقال الذهبي في الميزان: (٤/١٣٤) ، وهو صاحب حديث ليس بمتقن ١هـ قلت: ومع تليين الأئمة له فأمره أيسر ممن بعده.
وأما علي بن يزيد الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام وفي آخرها نون، نسبة إلى ألهان بن حمدان كما في اللباب: (١/٨٣) ، والمغني: (٣١) فمتفق على ضعفه، وحكم عليه البخاري في التاريخ الكبير: (٦/٣٠١) ، والضعفاء الصغير: (٨٢) بأنه منكر الحديث، وقال النسائي في الضعفاء والمتروكين: (٧٧) : متروك الحديث وقال ابن حبان في المجروحين: (٢/١١٠) منكر الحديث جداً، ويجب التنكب عن روايته لما ظهر عمن فوقه ودونه من ضد التعديل، وقال في: (٢/٦٣) إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي ابن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: (٧/١٣) ليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد، وأما الآخران فهما في الأصل صادقان، وإن كان يخطئان وقد أطال الحافظ في تهذيب التهذيب: (٧/٣٩٦-٣٩٧ في نقل كلام الأئمة في تضعيفه فمن ذلك، قال ابن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة كلها ضعاف، وقال يعقوب: وهيّ الحديث، كثير المنكرات، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي أحاديثه منكرة، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال أبو نعيم: منكر الحديث، وقال الساجي: اتفق أهل العلم على ضعفه ١٠هـ قلت: ومن كان كذلك فخبره مطروح عن رتبة الاعتبار، وانظر مزيد تقرير لما تقدم في بيان حاله في المغني في الضعفاء: (٢/٤٥٧، وميزان الاعتدال: (٣/١٦١-١٦٢) والجرح والتعديل: (٦/٢٠٨-٢٠٩) .
وأما القاسم بن عبد الرحمن فهو في درجة معان ولعله أرفع درجة منه، وهو وإن قال عنه ابن حبان في المجروحين: (٢/٢١٢) يروي عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات، حتى يسبق إلى القلب أنه كان كالمعتمد لها، ثم نقل بسنده إلى الإمام أحمد أنه قال فيه: منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم، ونقل ذلك عن الإمام أحمد أيضاً ابن حجر في تهذيب التهذيب: (٨/٣٢٣) ، وبعضه في الميزان: (٣/٣٧٣) فالمعتمد في أمره أنه صدوق كما في تهذيب التهذيب: (٢/١١٨) فحديثه مقبول إن شاء الله تعالى.
وإذا كان المعتمد في حال معان اللين، وفي حال علي بن يزيد الألهاني الضعف الشديد فالحديث مردود، وبذلك حكم عليه الأئمة ذوو التحقيق المشهود، قال الحافظ في الفتح: (٣/٢٦٦) إنه حديث ضعيف لا يحتج به، وقال في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: (٧٧) هذا إسناد ضعيف جداً، وقال في الإصابة: (١/١٩٨) إن صح الخبر ولا أظن يصح، وقال الإمام العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: (٣/٢٦٦) رواه الطبراني بسند ضعيف، وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: (٧/٣٢) رواه الطبراني وفيه على بن يزيد الألهاني وهو متروك، وحكم الإمام الذهبي على الحديث في تجريد أسماء الصحابة: (١/٦٦) بأنه منكر بمرة، وقال الإمام ابن حزم في المحلى: (١١/٢٠٧-٢٠٨) في رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن، وعلى بن يزيد وكلهم ضعفاء، وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة: (١٠٨) هي قصة تالفة مريضة، وفي تفسير العلي القدير: (٢/٣٥٧) لم تثبت صحتها.
واعلم أخي النبيه أن المراد بقول ابن العربي ومقلده القرطبي، وقول الرازي أيضاً: إن الحديث مشهور: المشهور على الألسنة، وبين العامة والوعاظ والقصاص، لا المشهور الاصطلاحي وهو ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يبلغ عدد التواتر، ولم يقل العدد عن ثلاثة في كل طبقة من طبقات السند انظر أنواع الحديث المشهور في تدريب الراوي: (٣٦٨-٣٧٠) ، وشرح البيقونية: (٧٥-٧٦) وتيسير مصطلح الحديث: (٢٢-٢٤) .
وقد جمع ما اشتهر على الألسنة من الأحاديث السخاوي في المقاصد بالحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، واختصره ابن الديبع في كتابه تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث، وألف في هذا الشأن السيوطي كتاب الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، والعجلوني كتاب كشف الخفاء ومؤيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسن الناس وكلها مطبوعة، وانظر كتباً كثيرة ألفت في هذا الشأن في الرسالة المستطرقة: (١٩١-١٩٢) .
الثاني:
ثعلبة بن حاطب – رضي الله تعالى عنه – من الأنصار – رضي الله تعالى عنهم – وقد شهد بدراً فيما قرر أئمتنا الأبرار، ابن سعد في الطبقات: (٣/٤٦٠) ، وابن عبد البر في الاستيعاب: (١/٢٠٠) على هامش الإصابة، وابن الأثير في أسد الغابة: (١/٢٨٣-٢٨٥) وابن حجر في الإصابة: (١/١٩٨) ، ولم يذكر هؤلاء غير ابن حجر من اسمه ثعلبة بن حاطب في الصحابة إلا واحدا فقط، أما ابن حجر اثنين مسميين بهذا الاسم فقال:
ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق في البدريين ن وكذا ابن الكلبي، وزاد أنه قتل بأحد.
وثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري ذكره ابن إسحاق فيمن بنى مسجد الضرار، وروى البارودي وابن السكن وابن شاهين وغيرهم في ترجمة الذي قبله من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالاً ... الحديث.
قال الحافظ: وكون صاحب هذه القصة إن صح الخبر، ولا أظن يصح هو البدري المذكور قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضاً أن ابن مردويه روى في تفسيره من طريق عطية العوفي عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في الآية المذكورة قال: إن رجلاً يقال له: ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار، أتى مجلساً فأشهدهم فقال: لئن آتانا الله من فضله، فذكر القصة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب والبدري قد اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "لا يدخل النار أحدٌ شهد بدراً والحديبية"، وحكى – صلى الله عليه وسلم – عن ربه – عز وجل – أنه قال أهل بدر "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" الحديث الأول خرجه الإمام أحمد في المسند: (٣/٣٩٦) عن جابر – رضي الله تعالى عنه – وأخرجه في: (٦/٣٦٢) عن أم مبشر – رضي الله تعالى عنها –، وفي: (٦/٢٨٥) عن أمنا حفصة – رضي الله تعالى عنها –. ورواه عنها أيضاً ابن ماجه – كتاب الزهد – باب ذكر البعث: (٢/١٤٣١) ، وورد في صحيح مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب فضائل أصحاب الشجرة –: (١٦/٥٨) بشرح النووي عن أم مبشر – رضي الله تعالى عنها – بلفظ: "لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" وهو عنها أيضاً في المسند: (٦/٤٢٠) ، ونحوه في المسند: (٣/٣٥) ، وسنن أبي داود – كتاب السنة – باب في الخلفاء: (١٥/٤١) ، وسنن الترمذي – كتاب المناقب – باب ما جاء في فضل من بايع تحت الشجرة: (٩/١٨٣) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح كلهم عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.
والحديث ورد من رواية على – رضي الله تعالى عنه – في صحيح البخاري – كتاب المغازي – باب فضل من شهد بدراً –: (٧/٣٠٥) ، وباب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة يخبرهم بغزو النبي – صلى الله عليه وسلم –: (٧/٥١٩) ، وكتاب التفسير – سورة الممتحنة – باب: "لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء": (٨/٦٣٣) ، وكتاب الجهاد – باب الجاسوس –: (٦/١٤٣) ، وباب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله – تبارك وتعالى – وتجريدهن: (٦/١٩٠) ، وفي كتاب الاستئذان – باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره: (١١/٤٦) ، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم – باب ما جاء في المتأولين: (١٢/٣٠٤) بشرح ابن حجر في جميع ما تقدم، وصحيح مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة وأهل بدر: (١٦/٥٥-٥٦) بشرح النووي، وسنن أبي داود – كتاب الجهاد – باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً: (٣/١٠٨-١١٠) ، وسنن الترمذي – كتاب التفسير – سورة الممتحنة: (٩/٤٣-٤٥) ، والمسند: (١/٨٠، ١٠٥) .
وورد من رواية أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – في سنن أبي داود – كتاب السنة – باب في الخلفاء: (٥/٤٢) ، والمسند: (٢/٢٩٥) ، والطبراني في الأوسط بسند جيد كما في مجمع الزوائد: (٦/١٠٦) وسنن الدارمي – كتاب الرقاق – باب في فضل أهل بدر: (٢/٣١٣) .
وورد في رواية ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في المسند: (..../٣٣١) ، وإسناده صحيح كما في تعليق الشيخ شاكر على المسند: (٥/٢٥) "٣٠٦٢"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٩/١١٩-١٢٠) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلح الغزاري وهو ثقة وفيه لين.
وورد من رواية ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – في المسند أيضاً: (٢/١٠٩) ورواه أبو يعلى بنحوه كما في مجمع الزوائد: (٩/٣٠٣) ، وفيه رجال أحمد رجال الصحيح.
وورد من رواية جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – في المسند: (٣/٣٥٠) ، ورواه أبو يعلى أيضاً كما في مجمع الزوائد: (٩/٣٠٣) وفيه: رجال أحمد رجال الصحيح.
وورد من رواية عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – عند الطبراني في الكبير والأوسط، وأبي يعلى والبزار ورجالهم رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد: (٩/٣٠٤) .
وورد عن رواية عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عن أبيه عند الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات كما في مجمع الزوائد: (٩/٣٠٤) ، والحديث فيه قصة طويلة في بعث حاطب بن أبي بلتعة كتاباً لأهل مكة يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فانظرها فيما تقدم.
فائدة:
المراد من قول الله – عز وجل – لأهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلا فلو وجب على أحدهم حد مثلاً لم يسقط عنه في الدنيا كما قال الحافظ في الفتح: (١٠/٢٥٩) ، وفي الحديث بشارة عظيمة لأهل بدر الكرام، في أنهم يوافون الله الكريم بالإيمان، وما يصدر منهم من هفوات مغفور عند ربنا الرحمن، وبهذا جزم ابن القيم في الفوائد: (١٦) ، وهو أحد تأويلين ذكرهما الرازي في تفسيره: (٢٣/١٩١) .
هذا وقد أشكل معنى الحديث على كثير من الناس، لأن ظاهره إباحة كل الأعمال لهم، وتخييرهم فيما شاؤوا منها وذلك ممتنع، وللخلوص من ذلك:
ا) قال الإمام ابن الجوزي: ليس المراد من قوله: "اعملوا" الاستقبال وإنما هو للماضي، وتقدير الكلام: أي عمل كان لكم فقد غفرته، أي: غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم ودلل على قوله بشيئين: ١- لو كان للمستقبل كان جوابه " فسأغفر لكم ". ٢- كان يكون إطلاقاً في الذنوب ولا وجه لذلك.
وهذا القول ضعيف لوجهين: ١- لفظ "اعملوا" يأباه فإنه للاستقبال دون الماضي، وقوله: "قد غفرت لكم" لا يلزم أن يكون اعملوا مثله، لأن المراد من قوله: "قد غفرت" تحقيق وقوع المغفرة قي المستقبل، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم ففي أول سورة النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ". ٢- نفس الحديث يرده، فإنه سببه قصة حاطب – رضي الله تعالى عنه – وذلك واقع بعد غزوة بدر لا قبلها، وهو سبب الحديث وهو مراد منه قطعاً، كما في الفوائد: (١٥) .
ب- أورد الرازي احتمالاً ثانياً في بيان معنى الحديث وخلاصته: افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة، ولا يخفى مصادمة هذا لسبب ورود الحديث، فالمعتمد في بيان معناه ما تقدم فاعلم، وللشيخ أحمد شاكر في رسالته كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر: (٨٣-٨٥) تعليل عليل لهذا الحديث الجليل، وخلاصته: سقوط بعض العقوبات الدنيوية وإن كانت حداً مقدراً من أهل بدر الكرام، وذلك باطل باتفاق أئمة الإسلام.
فمن يكون بهذا المثابة كيف يعقبه الله – تبارك وتعالى – نفاقاً في قلبه، وينزل فيه ما نزل، فالظاهر أنه غيره، والله تعالى أعلم ١هـ ونقل السيوطي في الحاوي للفتاوى: (٢/٩٧) كلام ابن حجر الذي نقله عن الكلبي في التفرقة بين ثعلبة بن حاطب وثعلبة بن أبي حاطب وارتضاه، وكذلك فعل الألوسي في روح المعاني: (١٠/١٤٣) حيث قال: وليس هو البدري – أي: الذي نزلت فيه الآية الكريمة – لأنه استشهد بأحد – رضي الله تعالى عنه – ١٠هـ، وقد أورد ابن الأثير في أسد الغابة: (١٠/٢٨٥) في ترجمة ثعلبة بن حاطب البدري – رضي الله تعالى عنه – القصة المتقدمة الباطلة، وقال: وكلهم – أي: ابن عبد البر، وابن منده، وأبو نعيم هذه الترجمة، فإما أن يكون ابن الكلبي قد وهم في قتله، أو تكون القصة غير صحيحة، أو يكون غيره، وهو هو لا شك فيه ١٠هـ.
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – الاحتمال الثاني الذي ذكره ابن الأثير هو الصحيح وعليه التعويل، وقد تقدم إقامة البرهان على عدم ثبوت تلك الرواية عند أئمة الإسلام، وما حاوله الإمام ابن حجر اعتماداً على ما نقله عن ابن الكلبي وأيده ابن مردويه من التفرقة بين ثعلبة بن حاطب، وثعلبة بن أبي حاطب، وأن الأول بدري استشهد بأحد، وأما الثاني فهو الذي توفي في خلافة عثمان – رضي الله تعالى عنه – وهو المعني بالآية المتقدمة، وفيه نزلت، فتلك المحاولة منه على فرض ثبوت الخبر كما قال: إن صح الخبر ولا أظن يصح، وقد جزم هو بعدم ثبوته وصحته في الفتح، وفي تخريج أحاديث الكشاف كما تقدم فتذكر ولا تغفل، وقد تبعه على تلك المحاولة السيوطي، والألوسي، وتلك المحاولة لا يدعمها نقل ثابت، ولا برهان واضح، إنما بنيت على مجرد الفروض والاحتمالات، ويظهر لي بطلانها لخمسة أمور بينات، فاستمع إليها واشكر رب الأرض والسموات:
الأمر الأول:
عدم صحة الخبر الوارد في سبب نزول الآية الكريمة، كما بينت ذلك بالأدلة القوية المتينة، ومن المعلوم أن الاشتغال بتأويل الروايات، وإزالة ما فيها من إشكالات متوقف على كونها من الثابتات، ولا داعي لشيء من ذلك إذا كانت الواهيات الباطلات.

الأمر الثاني:
الذين صنفوا في طبقات الصحابة الطيبين من أئمتنا المتقدمين كابن منده، وأبي نعيم، وابن عبد البر، والذهبي – عليهم رحمة رب العالمين – لم يذكروا غلا رجلاً واحداً من الصحابة الكرام يسمى بثعلبة بن حاطب الأنصاري – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وما ورد في رواية ابن الكلبي من وجود رجل يسمى بثعلبة بن أبي حاطب فلا يعول عليه، لأن الكلبي محمد بن السائب أقل أحواله أنه متروك، وقد اتهم بالكذب، بل صرح هو بالاعتراف بكذبه ففي التاريخ الكبير: (١/١٠١) ، والجرح والتعديل: (٧/٢٧١) ، والمجروحين: (٢/٢٥٤) ، وميزان الاعتدال: (٣/٥٥٧) ، وتهذيب التهذيب: (٩٦/١٨٠) عن سفيان الثوري قال: قال الكلبي: ما حدثت عن أبي صالح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – فهو كذب فلا ترووه، وقال ابن حبان في المجروحين: (٢/٢٥٥) وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به، وانظر حاله في غير ما تقدم في الضعفاء الصغير: (١٠١) ، والضعفاء والمتروكين للنسائي: (٩١) ، والضعفاء والمتروكين للدارقطني: (٣٤٢) ، والمعرفة والتاريخ: (٣/٣٥) باب من يرغب عن الرواية عنهم –، وتنزيه الشريعة: (١/١٠٥) – فصل في سرد أسماء الوضاعين والكذابين ومن كان يسرق الأحاديث ويقلب الأخبار ومن اتهم بالكذب والوضع من رواة الأخبار – وتقريب التهذيب: (٢/١٦٣) ، وفي الإتقان: (٤/٢٣٩) ، وأوهى الطرق عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، فإن انضم على ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة من الكذب.
وتأييد رواية الكلبي برواية ابن مردويه عن عطية العوفي عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – لا ينفع لأن عطية بن سعد العوفي ضعيف كما في الضعفاء والمتروكين للنسائي: (٨٦) ، وانظر حاله في التاريخ الكبير: (٨/٧) ، والجرح والتعديل: (٦/٣٨٢-٣٨٣) ، والمجروحين: (٢/١٧٦) ، وميزان الاعتدال: (٣/٧٩) ، وتهذيب التهذيب: (٧/٢٢٤-٢٢٦) ، والإتقان في علوم القرآن: (٤/٢٣٩) .
الأمر الثالث:
الادعاء بأن ثعلبة بن حاطب البدري – رضي الله تعالى عنه – استشهد يوم أحد مردود، وذلك الزعم غير موجود لأمرين:
١- الذين صنفوا في طبقات الصحابة الكرام، وبيان عددهم، من أئمتنا الذين تقدم ذكرهم لم يقل واحد منهم إن ثعلبة بن حاطب – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – استشهد يوم أحد.
٢- الذين استشهدوا في غزوة أحد – رضي الله تعالى عنهم – معروفون، وأحصى العلماء عددهم، وضبطوا أسماءهم، ولم يذكر من بينهم ثعلبة بن حاطب انظر سيرة ابن هشام: (٢/١٢٢-١٢٧) ذكر من استشهد يوم أحد.
لا داعي لقول الكلبي على أنه من جملة الاحتمالات للتوفيق بين الروايات، كما مال إلى ذلك ابن الأثير في أسد الغابة: (١/٢٨٥) .
الأمر الرابع:
حكي تردد واضطراب في زمن موت ثعلبة بن حاطب – رضي الله تعالى عنه – من بعض من كتب في تراجم الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم – فقيل: توفي في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – كما في الاستيعاب: (١/٢٠١) ، والقول الأول وهم، ولم يعول عليه أحد، وهو أولى من قول الكلبي إنه استشهد بأحد، والصحيح وفاته في خلافة عثمان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.
الأمر الخامس:
اتهام ثعلبة بن حاطب البدري، لا يؤثر على مقامه العالي الجلي، عند ربنا العظيم العلي لأن ذلك الاتهام، وقع عن طريق الاجتهاد الخاطئ، والتأويل المعذور، ولن يضير ذلك ثعلبة ولا من اتهمه عند العزيز الغفور، كما لم يضر حاطب بن أبي بلتعة – رضي الله تعالى عنه – عندما راسل أهل مكة يخبرهم ببعض أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – قول عمر – رضي الله تعالى عنه –: إنه قد نافق، دعني أضرب عنقه يا رسول الله، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم –: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وتقدم الحديث قريباً.
قال ابن هشام في السيرة النبوية: (١/٥٢٢) بعد أن نقل عن ابن إسحاق: أن ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير هما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الله، ولنكونن من الصالحين، إلى القصة، ومعتب بن قشير، هو الذي قال يوم أحد: "لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا" آل عمران ١٥٤ إلى القصة، وهو الذي قال يوم الأحزاب: كان محمد – صلى الله عليه وسلم – يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فأنزل الله – عز وجل –: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} الأحزاب١٢، وأن ثعلبة بن حاطب، وأخاه الحارث بن حاطب ومعتب بن قشير من منافقي الأنصار الذين اجتمعوا مع اليهود، – قال ابن هشام بعد أن نقل ذلك –: معتب بن قشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب هم من بني أمية بن زيد من أهل بدر، وليسوا من المنافقين، فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم، وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في أسماء أهل بدر ١٠هـ.
وقد اتهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، بأنهما شاركا في بناء مسجد الضرار كما في سيرة ابن هشام: (٢/٥٣٠) ، والبداية والنهاية: (٥/٢٢) ، وإن ثبت ذلك فلن يضرهما – إن شاء الله تعالى – فلعلهما خدعا من قبل بعض المنافقين، كما خدع حاطب بن أبي بلتعة من قبل حبه لأهله وقرابته، فأقدم على ما أقدم، ثم تاب الجميع مما تبين لهم خطؤه من فعلهم، والله غفور رحيم، وليس معنى غفران الله – جل وعلا – لمن شهد بدراً العصمة من الذنوب والخطأ، إنما المراد الغفران لهم في الآخرة، كما تقدم بيان ذلك عند حديث: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وبما تقدم نجزم بأن الآية ليست نازلة في ثعلبة بن حاطب لأنه من أهل بدر الكرام – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ولا يوجد في الصحابة الكرام من يسمى بذلك الاسم غيره، وكانت وفاته في خلافة عثمان – رضي الله تعالى عنه –.
ثالث الأمور في بيان ما في تلك الرواية من البهتان والزور:
إن تلك الرواية لنصوص الشرع القطعية الثبوت والدلالة من أن التوبة مقبولة من المكلفين ما لم يغرغر العبد بروحه، أو تطلع الشمس من مغربها، قال الله – عز وجل –: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} النساء١٧-١٨ فكل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، انظر تقرير هذا في صفحة: (٢٢-٢٣) من كتاب الملل والنحل، وقال – جل وعلا – في سورة الأنعام: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} الأنعام١٥٨، والمراد بقوله – جل وعز –: " أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ " طلوع الشمس من مغربها، انظر أدلة هذا في صفحة: (٢٤-٢٥) من كتاب الملل والنحل.
وقد دعا ربنا الكريم عباده المجرمين الذين قتلوا أولياءه الصالحين إلى التوبة لرب العالمين فقال – وهو الرؤوف الرحيم –: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} البروج١٠، قال الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – كما في تفسير ابن كثير: (٤/٤٦٦) انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ١٠هـ وإذا كان هذا في حق الفجار الذين قتلوا الأبرار وعذبوهم بالنار فما ظنك بمن ارتكب ما دون ذلك من الأوزار، وجاء يهرول تائباً إلى العزيز الغفار، وينثر التراب على رأسه تذللاً للعزيز الجبار، وقولهم: إنه فعل ما فعل خشية العار، يحتاج إلى دليل كالنهار، ثم هو مناف لما روي من مجيئه إلى أبي بكر وعمر وعثمان الأئمة الأخيار – رضي الله تعالى عنهم – وعرضه عليهم قبول صدقته لينجو في دار القرار.
رابع الأمور في مخالفة تلك الرواية للحق الثابت والنور:
انفردت هذه القصة بأمر لا نظير له في الشرع، لأن ثعلبة إما أن يعامل معاملة المؤمنين فتؤخذ منه الزكاة، أو معاملة الكفار المرتدين فيضرب عنقه لجحوده فريضة رب العالمين أما كونه يعامل معاملة المؤمنين في بعض الأمور، ومعاملة الكفار في بعضها الآخر فهذا لا نظير له في الشرع، ولا يثبت ذلك الحكم بخبر شديد الضعف منكر السند والمتن حكم على انفراده وإلى هذا أشار ابن حزم في المحلى: (١١/٢٠٧-٢٠٨) ، فقال: هذه صفة أوردها الله – تبارك وتعالى – يعرفها كل من فعل ذلك من نفسه، وليس فيها نص ولا دليل على أن صاحبها معروف بعينه، لأن الله – عز وجل – أمر بقبض زكوات أموات المسلمين، وأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – عند موته أن لا يبقى فيه جزيرة العرب دينان، فلا بخلو ثعلبة من أن يكون مسلماً فعرض على أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – قبض زكاته ولابد، ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافراً ففرض أن لا يقر في جزيرة العرب، فسقط هذا الأثر بلا شك ثبت عن نبينا – صلى الله عليه وسلم – الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب عن عدة من الصحابة الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – وإليك البيان:
روت ذلك أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: كان آخر ما عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان " كما في المسند: (٦/٢٧٥) ورواه الطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع، كما في مجمع الزوائد: (٥/٣٢٥) وورد ذلك عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في سنن أبي داود – كتاب الخراج والفيء – باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب –: (٣/٤٢٥) ، وسنن الترمذي – كتاب الزكاة – باب ما جاء ليس على المسلمين جزية –: (٢/٣٩٨) ، وسنن البيهقي – كتاب الجزية – باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك: (٩/٢٠٨) عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "لا يجتمع ملتان في بلد واحد" وفي لفظ البيهقي: "لا يجتمع قبلتان في جزيرة العرب".
وثبت في صحيح البخاري – كتاب الجزية – باب إخراج اليهود من جزيرة العرب: (٦/٢٧١) وكتاب الجهاد – باب هل يستشفع إلى أهل الذمة، ومعاملتهم: (٦/١٧٠) ، وكتاب المغازي – باب مرض النبي – صلى الله عليه وسلم – ووفاته: (٨/١٣٢) بشرح ابن حجر في الجميع، وصحيح مسلم – كتاب الوصية – باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه: (٣/١٢٥٨) ، وسنن أبي داود، والبيهقي – في المكانين المتقدمين – عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – مرفوعاً "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وروى ذلك أيضاً أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح – رضي الله تعالى عنه – ففي المسند: (١/١٩٥-١٩٦) بإسنادين رجالهما ثقات متصل إسنادهما كما في مجمع الزوائد: (٥/٣٢٥) ، وسنن الدارمي – كتاب السير – باب إخراج المشركين من جزيرة العرب –: (٢/٢٣٣) ، والسنن الكبرى للبيهقي – المكان المتقدم، ومسند أبي يعلى كما في مجمع الزوائد: (٥/٣٢٥) عن أبي عبيدة – رضي الله تعالى عنه – قال: آخر ما تكلم به النبي – صلى الله عليه وسلم –: "أخرجوا اليهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب" ورواه الحميدي في مسنده بلفظ: "أخرجوا يهود الحجاز من الحجاز".
ونقلت ذلك أمنا أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – روى ذلك الطبراني من طريقين رجال أحدهما رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد: (٥/٣٢٥) قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب".
وورد ذلك عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – مرسلاً في الموطأ – كتاب الجامع – باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة: (٢/٨٩٢) ، ومن طريقه البيهقي في المكان المتقدم – بلفظ: "لا يبقين دينان بأرض العرب".
وورد ذلك عن محمد بن شهاب الزهري – رحمه الله تعالى – مرسلاً أيضاً في المصدرين المتقدمين بلفظ: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" قال مالك – رحمه الله تعالى –: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – حتى أتاه الثلج واليقين، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر.
وروي ذلك عن أبي رافع – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر أن لا ندع في المدينة ديناً غير الإسلام، رواه الطبراني، وفيه شريك وعبد الله بن محمد بن عقيل وفيهما ضعف، وحديثهما حسن كما في مجمع الزوائد: (٥/٣٢٥) .
وروي ذلك عن عليّ – رضي الله تعالى عنه – فيما عهد إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – ففي المسند: (١/٨٧) عن عليّ – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "يا عليّ إن وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب"، قال الهيثمي في المجمع: (٥/١٨٥) فيه قيس غير منسوب، والظاهر أنه قيس بن الربيع وهو ضعيف، وقد وثقه شعبة والثوري، وبقية رجاله ثقات وقد جزم الشيخ شاكر في تعليقه على المسند: (٢/٧٠) "٦٦١" بأن قيساً هو ابن الربيع، وأنه ثقة، ولذلك قال: إسناده صحيح.
وقد عزم نبينا – صلى الله عليه وسلم – على إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إن عاش ففي صحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير – باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب: (٣/١٣٨٨) ، وسنن الترمذي – كتاب السير – باب ما جاء في إخراج اليهود من جزيرة العرب: (٥/٣٣٠) ، وسنن أبي داود، والبيهقي في المكانين المتقدمين، والمسند: (١/٢٩، ٣٢) عن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً". وفي رواية للترمذي والبيهقي وأحمد: "لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلماً".
تلك تسعة روايات من الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم – وهذه رواية عاشرة ثبتت في المسند: (١/٣٢) موقوفة على عمر – رضي الله تعالى عنه – قال: "لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، قال الشيخ شاكر في تعليقه على المسند: (١/٢٤٨) "٢١٥" إسناده صحيح، وقد عاش وحقق الله له أمنيته كما تقدم في رواية الموطأ وسنن البيهقي – رضي الله تعالى عنه –، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. وحكى الطبري في تفسيره نحو هذا عن بعض السلف وعبارته: (١٠/١٣٣-١٣٤) ، وقال قوم كان العهد الذي عاهد الله هؤلاء المنافقون شيئاً نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ثم ساق بسنده إلى سعيد بن ثابت قال: قوله – عز وجل –: " وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ " الآية إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} التوبة٧٨.
خامس الأمور في تفنيد تلك الرواية عند أهل الحبور:
إن سورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، كما ثبت ذلك عن عثمان بن عفان – رضي الله تعالى عنه – وتحدثت آياتها عما جرى في غزوة تبوك وكانت في رجب سنة تسع كما في سيرة ابن هشام: (٢/٥١٥) والمعتمد أن فريضة الزكاة كانت سنة اثنتين للهجرة المباركة قال ابن كثير في البداية والنهاية: (٣/٣٤٧) : وفيها – السنة الثانية – فرضت الزكاة ذات النصب وفرضت زكاة الفطر ١هـ ونسب الصنعاني في سبل الإسلام: (٢/١٥٩) ذلك القول لأكثر العلماء وانظر تفصيل القول في هذه المسألة في فتح الباري: (٣/٢٦٦) ودلل الحافظ على أن الزكاة كانت مفروضة سنة خمس يقيناً، وذلك لا يمنع تقدم فريضتها فاعلم.
وإذا كانت سورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، وتحدثت عما وقع في غزوة تبوك وهي في السنة التاسعة فكيف يلتئم ذلك مع ما ورد في تلك الرواية المنكرة، وأنزل الله – جل وعلا –: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " ونزلت عليه فرائض الصدقة إلخ مع أن فرضية الزكاة كان السنة الثانية للهجرة الشريفة.
وقد أشار إلى الأمور الثلاثة الأخيرة رشيد رضا في تفسير المنار: (١/٥٦١) فقال بعد أن أورد قصة ثعلبة المتقدمة: وفي الحديث إشكالات تتعلق بسبب نزول الآيات:
١- ظاهر سياق القرآن أن نزول الآية كان في سفر غزوة تبوك، وظاهره أيضاً أن الآية نزلت عقيب فرضية الزكاة، والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية.
٢- عدم قبول توبة ثعلبة، وظاهر الحديث لا سيما بكاؤه أنها توبة صادقة.
٣- كان العمل جارياً على معاملة المنافقين بظواهرهم، وظاهر الآيات أنه يموت على نفاقه، ولا يتوب من بخله وإعراضه، وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – عامله بذلك، لا بظاهر الشريعة ولا نظير له في الإسلام ١هـ مختصراً مرتباً.
* وصفوة المقال:
إن تلك القصة باطلة عند العلماء الأطهار، لخمسة أمور لها اعتبار، فسندها منكر لا يثبت بحال، وثعلبة بدري من الأبرار – عليه رضوان العزيز الغفار – وفيها مخالفة لنصوص الشرع الثابتة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، الدالة على قبول التوبة ما لم يغرغر العبد بروحه أو تطلع الشمس عليه من مغربها في هذه الدار، ثم القصة متناقضة عند أولي الاعتبار حيث لم تعط لثعلبة حكم المؤمنين الأخيار، ولا حكم الكافرين الفجار، ولا نظير لذلك في شريعة الواحد القهار وخامس الأمور مخالفة تلك القصة للتاريخ، ففريضة الزكاة كانت في السنة الثانية، وسورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم.
القول الثاني في سبب نزول الآية الكريمة:
قيل أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة – رضي الله تعالى عنه – كان له مال بالشام فأبطأ عنه، فجهد له جهداً شديداً، فحلف بالله لئن أتانا الله من فضله – أي من ذلك المال – لأصدقن منه، ولأصلن، فآتاه ذلك المال، فلم يفعل، فنزلت الآية الكريمة: " وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ " إلخ ذلك في زاد المسير، والجامع لأحكام القرآن، ولباب التأويل، والبحر المحيط، في الأماكن المتقدمة.
وهذا السبب باطل لأمرين، هاكهما لتقربهما العين:
ا) وردت تلك الرواية عن طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما -، وقد تقدم بيان حال الكلبي عند الكلام على القول الأول ونقلت هناك إقرار الكلبي على نفسه بالكذب وقوله: ما حدثت عن أبي صالح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – فهوكذب فلا ترووه.
ب) حاطب بن أبي بلتعة من أهل بدر الكرام، وممن شهد بيعة الرضوان – عليهم جميعاً رضوان ربنا الرحمن – وتقدم عند القول الأول وإخبار النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية، وأخبر عن ربه – عز وجل – أنه قال لأهل بدر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وثبت في صحيح مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب من فضائل حاطب ابن أبي بلتعة وأهل بدر: (١٦/٥٧) بشرح النووي، وسنن الترمذي – كتاب المناقب – باب فيمن سب أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم –: (٩/٣٨٤) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والمسند: (٣/٣٤٩) عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – ورواه أحمد في المسند: (٦/٣٦٢) والطبراني ورجالهما رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد: (٩/٣.٤) عن أم مبشر أيضاً – رضي الله تعالى عنها – أن عبداً لحاطب جاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية" وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقبه الله – عز وجل – نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، هذا لا يقول به عاقل، انظر ترجمة حاطب بن أبي بلتعة – رضي الله تعالى عنه – في الاستيعاب: (١/٣٤٨-٣٥١) على هامش الإصابة، وأسد الغابة: (١/٤٣١-٤٣٣) والإصابة: (١/٢٠٠) القسم الأول، وتجريد أسماء الصحابة: (١/١١٣-١١٤) وطبقات ابن سعد: (٣/١١٤-١١٥) .
القول الثالث في سبب نزول الآية:
قيل: إن ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير خرجا على ملأ فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقن فلما رزقهما بخلا، فنزلت هذه الآية ورد ذلك في زاد المسير، والجامع لأحكام القرآن، والبحر المحيط – في الأماكن المتقدمة – منسوباً إلى الحسن ومجاهد – عليهما رحمة الله تعالى –.
وهذا القول باطل، وقد تقدم عند بيان بطلان القول الأول استحالة نزولها في ثعلبة بن حاطب – رضي الله تعالى عنه –، وذكرت هناك أيضاً عدم صحة نزولها أيضاً في معتب بن قشير – رضي الله تعالى عنه – لأنه بدري، وما اتهم به فبعضه لم يثبت ولا يصح، وبعضه له فيه عذر الاجتهاد، وخطؤه مغفور عند رب العباد، إن شاء الرحيم التواب، انظر ترجمته في الاستيعاب: (٣/٤٦٢) ، وفيه: شهد بدراً وأحداً، وكان قد شهد العقبة ١هـ والإصابة: (٣/٤٤٣) – القسم الأول –، وتجريد أسماء الصحابة: (٢/٨٦) ، وأسد الغابة: (٥/٢٢٢) ، والاستبصار: (٢٩٠) .
القول الرابع في سبب نزول الآية:
قيل: إنها نزلت في نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن، فلما آتاهم من فضله بخلوا به، فنزلت الآية الكريمة. وورد ذلك في الكتب الثلاثة المتقدمة منسوباً إلى الضحاك – عليه رحمة الله تعالى –.
وهذا القول لا يصح، وهو مردود كسابقه، وقد علمت بالأدلة القوية بطلان نزولها في ثعلبة ابن حاطب، ومعتب بن قشير – رضي الله تعالى عنهما – وأما الآخران فقد اتهما بالنفاق، وقد قيل: إن الجد بن قيس تاب وحسن إسلامه كما في الاستيعاب: (٢٥٠-٢٥١) ، وأسد الغابة: (١/٣٢٧) ، والإصابة: (١/٢٢٨-٢٢٩) القسم الأول، وتجريد أسماء الصحابة: (١/٨٠) .
وأما نبتل بن الحارث فقال ابن حجر في الإصابة: (٣/٥٤٩) القسم الأول – ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب النسب مقروناً بأخيه أبي سفيان، وقد ذكره ابن الكلبي ثم البلاذري في المنافقين، فيحتمل أن يكون أبو عبيد اطلع على أنه تاب.
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: وعلى فرض عدم توبة الجد بن قيس، ونبتل بن الحارث مما اتهما به من النفاق، فليس في قصتهما ما في قصة ثعلبة من مجيئه بصدقته إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم إلى خلفائه الثلاثة – رضي الله تعالى عنهم – من بعده، وعدم قبولهم جميعاً لصدقته، إنما غاية ما في الأمر أنهما عاهدا الله الكريم على الإحسان إلى عباد الله المحتاجين، ومواساة الفقراء والمساكين، ثم بخلا على عباد الرحمن، ونكثا العهد مع ذي الجلال والإكرام، والأمر في هذا يسير، وليس في القول به مخالفة لشرع الله الجليل، هذا إن ثبت هذا القول، مع أن في النفس من ثبوته شيء كبير، لأن السند في تلك الكتب لم يذكر حتى نقف على حالة تلك الرواية، وعلى فرض ثبوتها، وثقة ناقليها، فهي منقول الضحاك – عليه رحمة الله تعالى – وذلك القول وإن كان له حكم الإرسال ففي الحكم بموجب تلك الرواية المرسلة بالنفاق على بعض المكلفين غير مستقيم، يضاف إلى هذا أن تلك الرواية تركت في حق ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير – رضي الله تعالى عنهما – ولم يؤخذ بها فيهما، لما علمت من حالهما، فعدم الأخذ بها أيضاً في حق الجد بن قيس، ونبتل بن الحارث أقوم واسم، والله – جل وعلا – أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا الكريم، والحمد لله العليّ الأكرم.