للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

٢- صدق في النية والإرادة: ومرد ذلك إلى الإخلاص، وحقيقته: أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا رضاء رب الأرض والسموات، فإن مازج نيته شيء من حظوظ النفس، وخالطها شوب من رعوناتها فهو بمعزل عن وصف الصدق عن رب العالمين، ويظهر كذبه يوم الدين، وتسعر به نار الجحيم، وقد ثبت هذا عن نبينا الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – (١) .


(١) ثبت في صحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار –: (٣/١٥١٣) ، وسنن النسائي – كتاب الجهاد – باب من قاتل ليقال فلان جريء –: (٦/٢٠-٢١) ، والمسند: (٢/٣٢٢) واقتضاء العلم العمل: (٦٩-٧٠) ، وسنن الترمذي – كتاب الزهد – باب ما جاء في الرياء والسمعة –: (٧/١١٢-١١٤) ، وتفسير ابن جرير: (٢/٩-١٠) ، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة كما في الترغيب والترهيب: (١/٦٢-٦٥) ، ورواه ابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان كما في الدر المنثور: (٣/٣٢٣) ، وهذا لفظ مسلم عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار"، وفي رواية الترمذي، وابن جرير، وابن خزيمة عن شفى الأصبحي أنه دخل المدينة المنورة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه –: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – نشغة – أي: شهق وغشي عليه كما في اللسان: (١٠/٣٣٩) "نشغ" – فمكث قليلاً ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – نشغة أخرى، ثم أفاق فمسح وجهه، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح وجهه، فقال: أفعل لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – نشغة شديدة، ثم مال خاراً على وجهه، فأسندته علي طويلاً، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وساق الحديث نحو ما تقدم، وفي آخره: "ثم ضرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ركبتي: يا أبا هريرة – أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" فأخبر شفى معاوية بهذا الحديث عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال – رضي الله تعالى عنه –: قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديداً حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية – رضي الله تعالى عنه – ومسح عن وجهه، وقال: صدق رسول الله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} هود١٥-١٦.
فتأمل هذا الحديث يا عبد الله، يا من يريد نصح نفسه وسعادتها، كيف اعتبر الله – جل وعلا – كدر النية وفسادها كذباً، وأوجب لأهل ذلك الوصف ناراً ملتهبة، مع أن ما صدر من أولئك الأصناف في منتهى الفضيلة والجلال، ولم ينف الله صدوره من العمال، إنما نفى إرادة وجهه الكريم بتلك الأعمال.
وقد ثبت عن نبينا الكريم – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – ما يخلع قلوب المتعلمين، إذا لم يخلصوا لله رب العالمين، ففي المستدرك – كتاب العلم –: (١/٨٥) وهو حديث صحيح وسنده ثقات رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه كما قال الحاكم، وأقره الذهبي، وصحيح ابن حبان – موارد الظمآن – كتاب العلم – باب في النية في طلب العلم: (٥١) ، وسنن أبي داود كتاب العلم – باب في طلب العلم لغير الله تعالى –: (٤/٧١) ، وسنن ابن ماجه – المقدمة – باب الانتفاع بالعلم والعمل به: (١/٩٢-٩٣) ، والمسند: (٢/٣٣٨) ، وشعب الإيمان للبيهقي كما في جمع الجوامع: (١/٧٦٤) ، وجامع بيان العلم وفضله: (١/١٩٠) ، وقد حكم العراقي على الحديث في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: (١/٦٧) بأنه جيد الإسناد، عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني: ريحها.
وفي شرح الشرنوبي على تائية السلوك: (٣١-٣٢) أبيات سديدة رشيدة في هذا المعنى، على طريق الإخبار عن الكبير المتعال، وهي:

تعَلمْ ما استطعت لقصْدِ وجهي ... فإن العلم من سفن النجاة
وليس العلمُ في الدنيا بفخر ٍ ... إذا ما حل في غير الثقاتِ
ومن طلب العلوم لغير وجهي ... بعيدٌ أنْ تراه من الهُداةِ

فعليك أخي المسلم في كل عمل باستحضار النية، وجعلها خالصة لرب البرية، فالعمل بغير نية عناء وهباء، والنية في غير إخلاص من شرك ورياء، نسأل الله الكريم أن يجعل علمنا صالحاً ولوجهه خالصاً، وأن لا يجعل لأحد فيه شيئاً، إنه سميع الدعاء.