وإذا كان للمحقرات تلك الدركات، فهي تهلك من يتلبس بها من المخلوقات، وفاعلها في غفلة وفي سبات، فإن الشيطان يرضى بصدورها من المكلفين والمكلفات، كما أخبرنا عن ذلك خير البريات – عليه أزكى السلام وأفضل الصلوات – ففي سنن الترمذي وغيره عن عمر بن الأحوص – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: "ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أباداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى له (١) ".
وقد سار سلفنا الأكابر على ذلك الهدي الفاخر فحذروا من الصغائر كما حذروا من الكبائر لما في الأمرين من انتهاك لحرمة العزيز القادر قال بلال بن سهد – أسكنه الله جنان الخلد –: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت (٢) ، قال ابن المعتز:
خَلّ الذنوبَ صغيرها ... وكبيرها ذاك التُقَى
واصنعْ كَمَاش ً فوق أر ... ض الشّوك ِ يحْذرُ ما يرى
لا تَحْقِرَنّ صغيرة ... إنّ الجبالَ منَ الحَصَى (٣)
السبب الثالث خوف سوء الخاتمة حسبما قدر على العبد في السابقة:
(١) ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لا يوجد الحاشية رقم ٢. (٢) انظر رواية ذلك عنه في كتاب الزهد لابن المبارك: (٢٤) ، وحلية الأولياء: (٥/٢٢٣) ، وصفة الصفوة: (٤/٢١٨) ، وبلال بن سعد شامي ومنزلته في بلاد الشام كمنزلة الحسن البصري في بلاد العراق، وكانت وفاته في حدود العشرين ومائة، ومن جميل كلامه: لا تكن ولياً لله في العلانية وعدوا له في السر، وكفى بنا ذنباً أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، وانظر ذلك وغيره من أخباره الطيبة فيما تقدم، وفي البداية والنهاية: (٩/٢٤٨-٢٥٠) ، وتهذيب التهذيب: (١/٥٠٣-٥٠٤) . (٣) انظر نسبة ذلك إليه في تفسير القرطبي: (١/١٦٢) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: (١/١) والأبيات في روح المعاني: (١/١٠٨) دون نسبة.