.. وأما جزاء الآخرة لمن خشي ذي العزة والمغفرة، فهو حلوله في جنة النعيم، ومجاورته لرب العالمين، قال ربنا الرحيم في آخر سورة البينة:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} البينة٧-٨، وفي سورة الملك يقول ربنا الملك:{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} الملك١٢، قال – جل وعلا – في سورة ق:{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق٣١-٣٥، وقال – جل جلاله – في سورة الرحمن:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} الرحمن٤٦، قال الحافظ ابن كثير – عليه رحمة ربنا الجليل –: وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شاباً كان يتعبد في المسجد فهوته امرأة، فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} الأعراف٢٠١، فخر مغشياً عليه، ثم أفاق فأعادها فمات، فجاء عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر – رضي الله تعالى عنه – فقال: يا فتى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} الرحمن٤٦ فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربي – عز وجل – في الجنة مرتين (١) .
(١) انظر تفسير ابن كثير: (٢/٢٧٩) ، وعزا السيوطي في الدر: (٦/١٤٧) ، والألوسي في روح المعاني: (٢٧/١١٦) القصة إلى شعب الإيمان للبيهقي، واعلم أن ما أورده الفراء في معاني القرآن: (٣/١١٨) من احتمال كون المراد بالجنتين جنة واحدة، لأن العرب تثني الجنة في أشعارها، فهو باطل منكر، قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: (٤٣٩-٤٤٠) : وهذا من أعجب ما حمل عليه كتاب الله، ونحن نعوذ بالله أن نتعسف هذا التعسف، ونجيز على كتاب الله – جل ثناؤه – الزيادة والنقص في الكلام لرأس الآية..... وكيف يجوز هذا وهو – تبارك وتعالى – يصفها بصفات الاثنين، وحكم الرازي في مفاتيح الغيب: (٢٩/١٢٣) على ذلك القول بالبطلان، ونقل القرطبي في تفسيره: (١٧/١٧٧) عن النحاس أن ذلك القول من أعظم الغلط على كتاب الله – عز وجل –. قال عبد الرحيم: ويرد ذلك القول السقيم، ما ثبت عن نبينا الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" صحيح البخاري – كتاب التفسير – سورة الرحمن – باب: " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ "، وباب: " حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ": (٨/٦٢٤) ، وكتاب التوحيد – باب قول الله – عز وجل –: " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ": (١٣/٤٢٣) بشرح ابن حجر في الجميع، وصحيح مسلم كتاب الإيمان - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم – سبحانه وتعالى –: (١/١٦٣) ، وسنن الترمذي – كتاب صفة الجنة – باب ما جاء في صفة غرف الجنة –: (٧/٢١٢) ، وسنن ابن ماجه – المقدمة – باب فيما أنكرت الجهمية –: (١/٦٦) ، وسنن الدارمي – كتاب الرقاق – باب في جنات الفردوس –: (٢/٣٣٣) ، والمسند: (٤/٤١١، ٤١٦) ، ومسند الطيالسي – منحة المعبود – كتاب صفة الجنة – باب ما جاء في جنات الفردوس ورؤية الله – عز وجل – في الجنة: (٢/٢٤٣) ، والأسماء والصفات: (٣٠٢) ، والاعتقاد: (٦٥-٦٦) ، وكتاب الرد على الجهمية لابن منده: (٩٤) ، وروى ذلك الحديث ابن أبي شيبة، والنسائي في الكبرى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في البعث كما في الدر: (٦/١٤٦) ، وكلهم عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –، هذا وقد روى الحاكم في المستدرك – كتاب التفسير – سورة الرحمن –: (٢/٤٧٥) ، وقال الذهبي: إنه على شرط مسلم، ورواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه – قال في قوله تعالى –: " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ": جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين، ورواه ابن جرير في تفسيره: (٢٧/٨٥) عنه مرفوعاً، وكذلك ابن أبي حاتم، وابن مردويه بلفظ: "جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين". واعلم – أيضاً – أن هذه الآية الكريمة عامة في الإنس والجن، فهي أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، كما قال الإمام ابن كثير في تفسيره: (٤/٢٧٦) ، وهذا هو قول الجمهور، وهو أحد أقوال أربعة في هذه المسألة، فانظرها إن شئت في آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان: (٥٧/٦٠) .