الدار الثالثة: دار الآخرة، وهي التي لا آخر بعدها، وتبتدئ من بعث الأموات إلى ما لا نهاية له من الأوقات، فالإقامة فيها أبدية سرمدية، في غرف الجنان العلية أو في دركات النار السفلية (١) .
(١) وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أبدية الجنة والنار، وعلى خلود أهلها فيهما، قال الإمام أحمد – عليه رحمة الله تعالى – في كتاب السنة – ضمن شذرات البلاتين: (٤٧) وقد خلقت النار وما فيها، والجنة وما فيها، خلقهما الله، ثم خلق الخلق لهما، لا يفنيان ولا يغني ما فيهما أبدأً ١٠هـ وفي كتاب أصول الدين: (٢٣٨) أجمع أهل السنة، وكل من سلف من أخيار الأمة على دوام بقاء الجنة والنار، وعلى دوام نعيم أهل الجنة، ودوام عذاب الكفرة في النار ١هـ وهكذا حكى إجماع أهل السنة الكرام والسلف الصالح عن أبدية النار وخلود أهلهما فيهما الإمام أبو الحسن الأشعري – عليه رحمة الله تعالى – في مقالات الإسلاميين: (٢/١٤٨) ، وابن حزم – رحمه الله تعالى – من مراتب الإجماع: (١٧٣) ، وأقره الشيخ ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى – في تعليقه على كتابه، وقرر هذا أيضاً كما في مجموع الفتاوى: (١٨/٣٠٧) ، فقال: اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار، والعرش وغير ذلك ١٠هـ وبوب الإمام الهيثمي – عليه رحمة الله تعالى – في مجمع الزوائد: (١٠/٣٨٥) بابا في هذا المقال: باب الخلود لأهل النار في النار ولأهل الجنة في الجنة، وفي الجوهرة: (٢/٨٣-٨٤) مع شرحها تحفة المريد:
والنار حق ٌ أوجدتْ كالجَنّة ْ ... فلا تَمِلْ لجَاحِدٍ ذي جِنّة ْ دارا خُلودٍ للسعيد والشّقي ... مُعَذبٌ مُنَعّمٌ مهما بقي
والأشياء التي لا تفنى ولا تهلك ثمانية نظمها الإمام السيوطي – عليه رحمة الله تعالى – بقوله كما في تحفة المريد: (٢/٦٤) :
ثمانية حُكمُ البقاء يَعُمّها ... من الخلق والباقون في حَيّز ِ العَدَمْ
هي العرشُ والكرسيّ نارٌ وجَنّة ٌ ... وعجْبٌ وأرواحٌ كذا اللوحُ والقَلَمْ ج
ويكن قول الله – جل وعلا – {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} القصص٨٨ من قبيل العالم المراد به الخصوص، أي: كل شيء حكم الله عليه بالهلاك، أو هو من قبيل العالم المخصوص فاللفظ يشمل عموم المخلوقات، ووردت النصوص بتلك الأشياء، والمراد من عجب الذئب: عظم لطيف في أسفل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو أول ما يخلق من الآدمي، ويبقى على حالته بعد موته ليعاد تركيب الخلق عليه، ثبت عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب" انظر صحيح مسلم – كتاب الفتن – باب ما بين النفختين –: (٤/٢٢٧١) ، وصحيح البخاري – كتاب التفسير – سورة الزمر – باب ٤: (٨/٥٥١) ، وسورة "عم يتساءلون": (٨/٦٩٠) بشرح ابن حجر فيهما، وسنن أبي داود – كتاب السنة – باب ما ذكر البعث والصور –: (٥/١٠٨) ، وسنن النسائي – كتاب الجنائز – باب أرواح المؤمنين –: (٤/٩١) ، وسنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب ذكر القبر والبلى: (٢/١٤٢٥) ، والموطأ – كتاب الجنائز – باب جامع الجنائز –: (١/٢٣٩) ، والمسند: (٢/٣٢٢، ٤٢٨، ٤٩٩، ورواه الإمام أحمد في: (٣/٢٨) عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.