.. وثبت في المسند والمستدرك وسنن الترمذي وغيرهما عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله – تبارك وتعالى –:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} الإسراء٨٥، قالوا: أوتينا علماً كبيراً، أتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت:{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} الكهف ١٠٩ (١) .
(١) انظر سنن الترمذي – كتاب التفسير- سورة الإسراء –: (٨/٢٩٢) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ١٠هـ وحسنه أيضاً الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول: (٢/٢١٨) ، والمسند: (١/٢٥٥) ، والمستدرك: (٢/٥٣١) – كتاب التفسير – سورة "إنا أنزلناه"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وعلقه عن عكرمة عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم – الواحدي في أسباب النزول: (١٩٧) ، وعلقه عن ابن عباس البغوي في معالم التنزيل: (٤/١٨١) ، وانظر بقية من خرج هذه الرواية في الدر المنثور: (٤/١٩٩-٢٠٠) . والسببان في نزول الآية الكريمة – كما ترى – متعارضان، فحديث ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – المروي في الصحيحين وغيرهما يقيد مدنية الآية الكريمة، وحديث ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – المروي في سنن الترمذي وغيره يفيد مكيتها، ويتقوى هذا الخبر أيضاً بمكية سورة الإسراء ولدفع هذا التعارض، وإزالة الإشكال انقسم المفسرون ثلاثة أقسام:
ا) قسم جنح إلى تعدد نزول الآية وتكرره، فنزلت بمكة جواباً لسؤال المشركين من قريش ويتفق هذا مع مكية سورة الإسراء، ثم بعد الهجرة المباركة تكرر السؤال عن الروح من قبل المشركين أهل الكتاب اليهود، فانتظر النبي – صلى الله عليه وسلم – نزول الوحي بالجواب، فنزل بما نزل به في مكة، ولعل انتظار النبي – صلى الله عليه وسلم – جواب الوحي، وعدم إجابته بما هو معروف عنده، أنه توقع نزول الوحي بزيادة بيان وإيضاح، ولكن الوحي نزل بما نزل به سابقاً وممن ذهب إلى هذا الأئمة الكرام ابن كثير في تفسيره: (٣/٦٠) ، والزركشي في البرهان: (١/٣٠) وابن حجر في الفيتح: (٨/٤٠١) وحكاه الألوسي في روح المعاني: (١٥/١٥٣) ولم يعترض عليه. وعبارة ابن حجر: ويمكن الجمع بأن يتعدد سبب النزول، بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا، وغلا فما في الصحيحين أصح ١٠هـ وهذا القول هو أسد الأقوال، وأظهرها وبالقبول أولاها، لأن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما. ب) فريق رجح خير ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – لمزيد قوته، وبلوغه أعلا مراتب الصحة، لإخراج الشيخين له، وأهمل هذا الفريق خبر ابن عباس – رضي الله تعالى عنه – مع صحته، لرجحان الأول عليه، ومن ثم قالوا: إن آية الروح مدنية، ولم يسبق لها نزول في مكة وممن ذهب إلى هذا القول من الأجلة: السيوطي في الإتقان: (١/١٢٠) ، وفي لباب النقول: (١٤١) ، وابن القيم في كتاب الروح: (١٥١-١٥٣) وحكاه عنه القاسمي في محاسن التأويل: (١٠/٣٩٩٢) وأقره، ومال إليه الشيخ مناع القطان في مباحث في علوم القرآن: (٨٩) ، وهذا القول فيما يبدو لي حسن الأدلة المقررة ضعيف، لأنه إذا أمكن الجمع بين الدليلين، وإعمالهما معا، فلا يصار إلى النسخ والترجيح بالاتفاق، كما قال الشيخ العراقي في ألفيته: (٣٥٦) :
والمتن إن نافاه متن آخر ... وأمكن الجمع فلا تنافر ج أولا، فإن نسخٌ بدا فاعملْ به ... أولا فرجح واعملنْ بالأشبه
قال ابن حجر في نخبة الفكر: (٣٩-٤٠) ، وإن عورض – أي: متن الحديث – بمثله، فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث، أولاً، وثبت المتأخر فهو الناسخ، والآخر المنسوخ، وإلا فالترجيح، ثم التوقف ١٠هـ والقول بتعدد نزول الآية الكريمة عند تعدد أسباب نزولها المتباعدة في الزمن بحيث لا يمكن القول بنزول الآية عقيب تلك الأسباب لطول المسافة الزمنية: قول معتبر، وهو من أوجه الجمع السديدة، ولا حجة معتبرة لمن منع تعدد نزول الآي كما تزعم ذلك القول العماد الكندي قاضي الإسكندرية المتوفى ٧٢٠هـ صاحب كتاب الكفيل بمعاني التنزيل، وهو كتاب تفسير ضخم كبير يقع في ثلاث وعشرين مجلدة كبيرة كما في كشف الظنون: (٢/١٥٠٢) وقد حكى ذلك القول عنه السيوطي في الإتقان: (١/١٣١) ورده، وتبعه على ذلك القول الشيخ مناع القطان من المحدثين في كتاب مباحث في علوم القرآن: (٨٩) ولم يعتبرا تعدد النزول من وجوه الجمع المعتبرة بل صارا إلى الترجيح فيما بين الروايات، وهذا خلاف الصواب الذي عليه المحققون من أولي الألباب قال الزركشي في البرهان: (١/٢٩-٣٢) : وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه، خوف نسيانه، وانظر تفصيل الموقف نحو النصوص المتعارضة في مقدمة ابن الصلاح معها محاسن الإصلاح: (٤١٤-٤١٦) ، وفتح المغيث: (٣/٧٥-٧٨) ، والتقريب وشرحه تدريب الراوي: (٣٨٦-٣٩٢) ، وقد عد الحازمي في مطلع كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار خمسين وجهاً للترجيح: (١١/٢٣) ، وقال: فهذا القدر كاف في ذكر الترجيحات، وثم وجوه كثيرة أضربنا عن ذكرها، كيلا يطول بها هذا المختصر ١٠هـ وقد ذكر هذه الخمسين العراقي في التقييد والإيضاح، وزاد عليها حتى بلغت عشرة ومائة وجه، وقال: وثم وجوه أخر للترجيح في بعضها نظر، وفي بعض ما ذكر أيضاً نظر ١٠هـ انظر: (٢٨٦-٢٨٩) . جـ) رووا السببين ولم يجمعوا بينهما، ولم يسلكوا مسلك الترجيح بينهما، ويشمل هذا القسم غالبية المفسرين، ولا يخفى على طالب العلم النبيه ضعف هذا المسلك وعدم تمشيه مع قواعد العلم المقرر، انظر ذلك المسلك على سبيل المثال في معالم التنزيل: وفي لباب التأويل ك (٤/١٨١-١٨٢) الأول على هامش الثاني، والتسهيل لعلوم التنزيل: (٢/١٧٨) ، والبحر المحيط: (٦/٧٥) ، والدر المنثور: (٤/١٩٩، ٢٠٠) ، وقد اقتصر على أثر ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – الزمخشري في الكشاف: (٢/٤٦٤) ، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: (٥/١٩٢) ، والصابوني في صفوة التفاسير: (٢/١٧٠) واقتصر على أثر ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – كل من الطبري في جامع البيان: (١٥/١٠٤-١٠٥) ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (١٠/٣٢٣) والخطيب الشربيني في السراج المنير: (٢/٣٣٢) ، وكل ذلك غير سديد فاعلم، والله تعالى أعلم.