للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

ثانيهما: الذين عولوا على نظر العقول، وأخذوا بما توهموه من أمور دون الالتزام بما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – ضلوا وأضلوا وقد تقدم قريباً اعتراف ثلاثة من أئمة العقول الكبار (إمام الحرمين، والغزالي، والرازي) بأن ما صاروا إليه بعقولهم لم يوصلهم إلا إلى الحيرة والخسارة ومن رحمة الله بهم أن وفقهم للرجوع إلى الحق وتصحيح المسار، فلا يمكن أن يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح، وإذا وقع التعارض بينهما فالآفة في أحدهما، فإما لم يصح النقل، أو هناك تخليط في العقل، قال الشيخ ابن تيمية، عليه رحمة الله تعالى –: والرازي متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئاً ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المتبدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة تشتمل على كلام باطل كلام هؤلاء وكلام هؤلاء، فيقرر كلام طائفة ثم ينقضه في موضوع آخر، وليس هذا تعمداً منه لنصر باطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه، فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدم به، فإن من شأنه البحث الحر بحسب ما يظهر له فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين، ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقاً لما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – مطابقاً لصحيح المنقول، لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل (١) .


(١) انظر شرح حديث النزول: (١٧٥-١٧٧) مع تصرف يسير فيه تقديم وتأخير وقد صدق الشيخ ابن تيمية في قوله: لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – فالإمام الذهبي يقول في الميزان: (٣/٣٤٠) : الفخر بن الخطيب الرازي صاحب التصانيف رأس في الذكاء والعقليات لكنه عريّ من الآثار وقد اعترف السبكي في طبقات الشافعية: (٨/٨٨) بأن الرازي ليس من أهل الرواية في الحديث، وقد أقر الغزالي في آخر كتابه قانون التأويل وهو مطبوع مع معارج القدس: (٢٤٦) بأنه مُزْجى البضاعة في الحديث فقال: وبضاعتي في علم الحديث مزجاة، ولذلك حكم شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى: (٤/٧١) بأن أبا المعالي، وأبا حامد الغزالي، وابن الخطيب الرازي، ليس عندهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة فضلا ً عن خواصها، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلماً وأحاديثهم إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك، ففيها عجائب أ. هـ.
قال عبد الرحيم الطحان – ختم الله له بالإحسان –: حقاً إن كتبهم فيها عجائب تدهش الأنام فكم فيها من أحاديث لا خطام لها ولا زمام، وهذا من العيوب الجسام، فمن العبث حقاً عند أولي الأحلام أن يشتغل الإنسان بالفلسفة ومنطق اليونان، ويقضي حياته في هذيان من القول وعلم الكلام وليس عنده خبر عن أصح كتب الإسلام، ولا عن أحاديث خير الأنام – عليه الصلاة والسلام – وقد بلغت السفاهة ببعض علماء الكلام، حداً لا يتصوره إنسان قال الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام، في كتابه العظيم نقض منطق اليونان: (٨٢) وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة المشهد الحُسيني بمصر بعض أئمة المتكلمين يسمى شمس الدين الأصبهاني فأعطوه جزءاً من الرَّبْعَة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ألَمْصْ حتى قيل له ألف لام ميم صاد. فاعتبر بغيرك أيها المسترشد الهمام لتنجو من الخرافات والأوهام، وتحظى برضوان الله في دار السلام.