لكن لما آل الحكم إلي بني العباس ففي عهد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تبني مذهب الاعتزال الخلفاء والأمراء وأول من امتحن الناس ببدعة المعتزلة الخليفة المأمون وأول من عرب كتب الفلسفة وشغل الأمة بما كانت لا تعرفه وليست في حاجة إليه هو المأمون، وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول:"ما أظن أن الله سيغفل عن المأمون"، فهو أول من فتح باب (١) التيارات الخبيثة على هذه الأمة وإن كان بتأويل وحب الاطلاع أو غير هامة التأويلات والمسوغات والمبررات.
فبانتقال هذه البدعة (بدعة المعتزلة في القدر) إلى الأمراء والخلفاء صار لها ردءٌ وشأن وصارت تأوي إلى ركن شديد بعد أن كانت تحارب من قبل الحكام، وشتان شتان بين أن يتولى الحاكم نشر بدعة وبين أن يتولى القضاء عليها، فإذا تولى القضاء عليها فلا توجد – ولو وجدت – إلا في الخفاء، وإذا تولى نشرها فإذا وجد الحق ففي الخفاء والله يزع بالسلطان ولا يزع بالقرآن.
وقلت لكم المسئول إذا أراد تغيير منكر لا يحتاج إلى منابر ولا إلى سيوف ولا إلى مساجد، بل بجرة قلم أو بكلمة في الإذاعة ينتهي الأمر.
(١) ولذلك في عهد المأمون لما طلب من رؤساء النصارى أن يرسلوا إليه الكتب التي في كنائسهم من أجل أن تعرب وتدرس بين المسلمين، جمع رؤساء النصارى جميع القسس وعرضوا عليهم الأمر فكلهم قالوا: لا ترسلها أيها الملك لئلا ينتفعوا بها ويطلعوا على علومنا إلا قسيس ملعون قال: أرسلها أيها الملك فوراً، فقالوا: علام؟!، قال: ما دخلت هذه الكتب على أمة عندهم دين سماوي إلا أفسدت دينهم وأوقعت الخلاف بينهم، وبالفعل وقع الخلاف بين المؤمنين قبل وفاة المأمون وأفسدت دين رب العالمين وامتحن أهل السنة وعذبوا في عهد المأمون ومن بعده من الخلفاء كالمعتصم وغيره.