"وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" ثم ذكر بعد ذلك قصصاً كثيرة منها: قول الخليل إبراهيم (والذي أطمع أن يغفر لي) فلم يُدّلَ بعمل بل يطمع من الله بالمغفرة، ومنها قول أبي بكر وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما نفعني مال كمال أبي بكر، فقام أبو بكر وقال ذلك، فانظر لحال العقل الكامل، وهكذا أورد كلاماً لعدد من الصالحين ثم يقول:"وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع" فإذن هذا فعل عقلاء هذه الأمة، وانظروا لصلحاء بني إسرائيل، ومنهم هؤلاء الثلاثة يقول:"وقد روي عن أقوام من صلحاء بني إسرائيل يدل على قلة الإفهام لما شرحتُه لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بهما (١) ، فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة، وأخرج الله له كل ليلة رمانة، وسأله أن يميته في سجوده فإذا حشر قيل له: ادخل الجنة برحمتي قال: لا بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي، فيقول: يا رب برحمتك (٢) ،
(١) أدلّوا بها: يعني تقربوا بها ورأوا لها مكانة تستحق أن تطلب حاجةٌ بسببها. (٢) حديث العابد رواه الحاكم في مستدركه (٤/٢٥١) ، وقد أوردته لكم مختصراً، وأوله: [أن رجلا كان في جبل وطلب أن يخرج الله له عيناً يشرب منها (أي حتى لا يختلط بالناس) وأن يخرج له شجرة رمان فأخرج الله له عيناً وشجرة رمان كانت تحمل كل يوم رمانة فيأكل الرمانة ويشرب من الماء ويتعبد في صومعته، وسأل الله أن يميته وهو ساجد فأماته....] .إلخ الحديث – وفيه [فيحاسبه الله على نعمة البصر فلا تفي عبادة خمسمائة سنة] ثم قال جبريل: [يا محمد إنما الأشياء برحمة الله جل وعلا] ، ثم قال الحاكم: وهذا حديث صحيح الإسناد، فإن سليمان بن هَرم العابد من زهاد أهل الشام والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين" وعلق الذهبي على هذا الحديث في تلخيصه للمستدرك: "صحيح!! قلت لا والله، وسليمان غير معتمد، وقال في ميزان الاعتدال – أي الذهبي – في ترجمة سليمان بن هرم: "قلت: لم يصح هذا، والله يقول (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ، ... ولكن لا يُنجي أحداً عملُه من عذاب الله كما صح، بلى أعمالنا الصالحة هي من فضل الله علينا ومن نعمه لا بحول منا ولا قوة، فله الحمد على الحمد له" إذن كأن الحافظ الذهبي يريد أن يقول الحديث ضعيف لأن فيه هذا المجهول، وأراد أن يؤكد هذا فقال الحديث يعارض نصوصاً، فأراد أن يرده من جهة المعنى، وقبله أراد أن يرده من جهة السند. قلت: أما من ناحية سليمان بن هرم (أي من ناحية السند) فكأن الحافظ ابن حجر في لسان الميزان لم يرتضِ كلام الذهبي، فنقل هنا كلام الحاكم عن سليمان وأقره فقال: "وقد قال الحاكم عقيب رواية الحديث والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين" فكأنه يريد - أي ابن حجر – أن يقول إن سليمان بن هرم ليس بمجهول. وأقول أيضاً: الحديث صحيح الإسناد وما فيه إلا سليمان بن هرم فقد جرى حوله كلام وكأن الحافظ ابن حجر يوافق الحاكم على أن سليمان ليس بمجهول وأما من ناحية المعنى فالمعنى صحيح أيضاً، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته] ، وقد حقق الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة (١/٨) حقق هذا المبحث غاية التحقيق وقال عند حديث [لا يدخل أحد الجنة بعمله] وقوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) : "وصفوة الكلام أن الباء هنا ليست بمعنى الباء هناك" أي الباء في الحديث غير الباء في الآية، فهي في الحديث للمعارضة والمقابلة، وفي الآية الباء للسببية أي جعل الله الأعمال منا سبب لذلك الجزاء بفضله ورحمته، لا أن العمل منا يستحق الجنة، أو أنه يكون عوضاً عنها، نستحقه كما نستحق في هذه الحياة عوضاً عندما ندفع ثمناًً مقابل سلعة، فهذه ليست مبايعة ومعاوضة فنحن لا نعمل والجنة تكون في مقابل العمل، بل نحن نقوم بواجب علينا وحق لله – وهو عبادته – دخلنا الجنة أم لا، فهذا هو الفرق بين الباءين، ثم قال ابن القيم كلاماً ينبغي أن ترددوه وأن تنقشوه في قلوبكم: "كل من ينجو من النار فبفضل الله، وكل من يدخل الجنة فبرحمة الله، وأهل الجنة يقتسمون منازلهم على حسب أعمالهم". إذن عندنا أمران لا دخل للعمل فيهما، النجاة من النار والدخول في الجنة، لكن منازل الجنة هذه بحسب عمل الإنسان. فمن نجا من النار فبفضل الله، ومن دخل الجنة فبرحمته، وكل من ألقي في النار فبعد له يقول الشاعر:
ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا يسعى لديه ضائع إن عذبوا فبعد له أو فعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع
فالآن هذا العابد هو حاله كحال الصحابة الذين كانوا يستصغرون أعمالهم؟ شتان بين الاثنين، فانظر لهذا العبد المسكين كيف يُدلّ بعمله يقول الله له: ادخل الجنة برحمتي فيقول: بل بعملي!!!. ولذلك قال ابن الجوزي: "وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلّوا بها".